الجمعة، ٦ أبريل ٢٠٠٧

الغائبون، والمُغيـَّبون، والمُغيـِّبون

بعد التعديلات الدستورية الكارثية التى ألمت بوطننا الحبيب.. ألمت به ككيان يعيش فينا قبل أن نعيش فيه.. سلمته رخيصاً بلا ثمن لحفنة من أصحاب المصالح الشخصية من رجال السياسة، والأعمال، والأكاديميين، والفنانين، وكل من يتعيشون على مص دم هذا الشعب المسكين..
بعد هذه التعديلات كنت أسأل نفسى:
أين الناس؟!
ولمَ هذا الصمت؟
وقد وجدت هؤلاء الصامتين واحداً من ثلاثة.. إما غائب، وإما مُغيَّب (بفتح الياء)، وإما مُغيِّب (بكسر الياء).
فالغائب (برضاه) هو من تشغله حياته، وطموحاته، ونفسه عن كل ما يحيط به..
لا تشغله سوى نفسه.. أين هى؟ وأين ستكون؟
فهو إما راضٍ بقسمة الفـُتات (موظف مرتشٍ، أو ضابط منتشٍ، أو فنان مدعٍ)، وإما أنانى يعيش لنفسه وفقط لا تشغله هموم أمة، ولا هموم وطن، وإما جبان يتحسس مواطن القلق فيرفع يده عنها، ومواطن الإباء فيفتديها..
هذا هو أول الأصناف..
وأما الثانى فهو: المُغيَّب (بفعل غيره).
المفعول به دائماً.. المخدوع أبداً..
فهو ساعٍ على لقمة عيشه، يبحث عنها فلا يجد وقتاً لتأمل، ولا برهة لتفكر..
الفكر بالنسبة له رفاهية تحتاج بالاً صافياً، وجيباً عامراً، واستقراراً غائباً..
يصحو من نومه.. منشغلاً براتبه الذى سينتهى، وبعمله الذى سيختفى..
ينشغل بزوجه وعياله، وكسوتهم، ورعايتهم..
فكيف لمثل هذا أن يسأل عن حقوق غيره.. وطناً كانت أم مواطنين.. لقد نسى أصلاً أنه مواطن، وعاش على أنه ضيف على هذه الأرض التى يسمونها وطناً.. ولم يعلم عن هذا الوطن إلا أنه سبب شقائه وبؤسه الذى يراه ملازماً له شاء أم أبى..
وأما الثالث فهو المُغيِّب الذى يُخدر الناس بكافة أصناف المُخدِّرات.. دينية كانت أو دنيوية..
دينية.. نعم دينية..
يصرفهم عن المُشاهَدَات؛ ليكلمهم عن السمعيات..
يصرفهم عن الواقع؛ ليذهب بهم إلى الماضى المجرد من العبرة والموعظة..
يوبخهم على حالهم؛ ليصرفهم عمَّن سبب لهم هذا الحال..
يزجرهم لمعصيتهم، ولا يحدثهم عمنً مهَّد لهم سبل هذه المعاصى..
ينهاهم عن السرقة، وأموالهم يسرقها من يسمونهم بأولى الأمر..
يأمرهم بطاعة السادة والكبراء وإن سرقوهم، وسحلوهم، وغصبوهم..
يكلمهم عن الآخرة ونعيمها؛ لينسيهم الدنيا وكـَبَدها..
أما مغيِّبى الدنيا.. فهم أهل العبث، واللهو، والمجون..
أهل المخدِّرات العقلية، والحسية..
أهل البانجو، وأهل الرقص..
أهل الهيرويين.. وأهل السينما الماجنة..
أهل التبغ.. وأهل الفيديو كليب..
إخوانى.. أخواتى
مساكين أهل هذا الوطن الغائبون، والمغيَّبون..
وكم ظالمون هم أهله المُغيِّبون..
وكم هى مهمة ثقيلة على من يريد انتشال هؤلاء، وأولئك..
ولكن "النصر مع الصبر".

الجمعة، ٣٠ مارس ٢٠٠٧

حكايات من فسادستان - الأولى

بما أنى أحد مواطنى دولة "فسادستان"، وبما أنى قد مللت الكلام فقط مع من يقرؤون، وبما أن شعبنا غارق فى حياته، وغير عابىء لا بدستور غيّروه، ولا ببلدٍ يهدموه، ولا بشعبٍ يسرقوه..
كل ذلك جعلنى أتوقف قليلاً عن التحليل، والتفسير، والتبيين، وأن أنقل ما أسمع من أبناء هذا الشعب المطحون، والغارق حتى إخمص قدميه فى لقمة عيشه التى يتحايل حتى يحصل عليها بالحلال، مع بعض تحابيش من الحرام – إن كان حراماً – بسبب اضطراره للتعامل مع حاكمى دولة فسادستان..
سأجعلها سلسلة غير متصلة – أى حسب الظروف، والشخصيات والأحوال..
سلسلة على لسان هؤلاء المطحونين الضاربين فى الأرض بحثاً عن لقمة العيش..
سلسلة كلامها فى السياسة دون قصد المُـتـَحدَّث عنهم فيها، ودون علمهم؛ لأنهم إذا علموا سيصمتون، وإذا عرفوا سيرتابون..
وأولى حلقات هذه السلسلة على لسان شريف..
شريف سائق البيجو على خط مدينته – القاهرة..
شاب مكافح حاصل على بكالوريوس تربية، لم يبحث عن العمل كمدرس حرصاً على لقمة عيش توارثها عن والده – الذى لا يزال على قيد الحياة..
يعمل شريف غالباً فى الليل وينام النهار..
ولأترك لحكايات شريف الكلام، دون تعقيب أو تعليق؛ ففيها العبرة، وفيها الخلاصة عن فسادستان:
1- عملت فترة فى إحدى مصانع السيراميك الكبرى ذات الاسم الأجنبى. ولعدم وجود رعاية بيئية وصحية، فقد مرضت بمرض شديد أصاب صدرى رغم صغر سنى، وما علمته أن من يعملون فى هذه الشركات ينتهى بهم المطاف إلى تطور فى هذا المرض.. وفضلت حينها أن أترك المصنع رغم الراتب الكبير، ورغم عملى فى مجال ينتمى إلى تخصصى، والراتب الكبير الذى كنت أحصل عليه؛ إلا أنى فضلت احتراف مهنة القيادة حفاظاً على صحتى.
2- زيت السيارت ارتفع ثمنه إلى الضعف على خمس مراحل، وسعر الكارتة (تصريح السفر لسيارات الأجرة) زاد مرة ونصف المرة منذ آخر زيادة فى سعر السولار، ورغم ذلك زادت الأجرة بنسبة 10% فقط.
3- الثمن الرسمى للحصول على تصريح سفر السيارات البيجو الأجرة ذات السبعة ركاب هو 3 جنيهات، و15 قرشاً، والثمن الحقيقى الذى ندفعه علناً هو 7 جنيهات. أما بالنسبة للميكروباص ذو الأربعة عشر راكباً فالثمن الرسمى قيمته سبعة جنيهات، والثمن الحقيقى العلنى ما بين 35 ، و42 جنيها حسب "شطارة" كل سائق.
4- الدخل اليومى الرسمى دون الإضافات لموقف عبود هو نصف مليون جنيه.
5- مخالفة سيارة الأجرة البيجو التى تدخل حيز مدينة القاهرة دون ترخيص هو 500 جنيه، ووقف للسيارة عن العمل 3 أشهر، يدفع السائق للضابط المختص 250 جنيهاً نقداً لإلغاء هذه العقوبة.
6- لتجديد الرخصة هذا العام دفعت 4 جنيهات تبرع إجبارى ليوم المريض.
7- وجدت عندى مخالفة قيمتها 500 جنيه لمجاوزة السرعة فى طريق الوادى الجديد، رغم أنى لا أعرف طريق الوادى الجديد أصلاً.
8- حصلت على مخالفة فى إحدى المرات فاتصلت بأحد الضباط "بلدياتى" الذين أعرفهم، فاتصل بالضابط المسئول فى المرور، وغير رقم (1) الموجود فى رقم سيارتى إلى رقم (2) فى ورق المخالفة لتصبح مثلاً 23456 بدلا من 13456.
9- ركب معى مرة أحد الشباب "اللى واخد باله من نفسه" بجوارى، وكان بجانبه أحد مرضى القلب؛ فطلبت منه إطفاء السيجارة، فرفض، وقال "اللى مش عاجبه ينزل من السيارة"، فخفت منه وحسيت أنه مسنود "يعنى ضابط أو كيل نيابة"، ثم أخرج عنداً علبة السجائر كاملة ووضعها أمامه لتناولها الواحدة تلو الأخرى، ولما فاض بى الكيل وقفت عند أقرب كمين شرطة على الطريق، ونزلت وحكيت للضابط ما حدث، فأرسل إليه أمين الشرطة، فأخبره بأن "الباشا عاوزك"، فرد الشاب: "اللى عاوزنى، يجينى"، فجاء الضابط ونزل فوق الشاب "تلطيشاً" وضرباً، وسباً!!!!، وقال له: "لو كنت ابن وزير الداخلية حتى.. أنا هاربيك"، وأمر أمين شرطة أن يجهز له محضر "بانجو" وأن يحضر له "حتة بانجو" من الداخل!!!!! وبالطبع – وكما هى عادة المصريين – توسط الراكبون عند الضابط لإلغاء المحضر، وبالفعل ألغاه الضابط!!!!!!!.
10- جاء أحد "بلدياتنا" للركوب مع والدى فى إحدى المرات، ولم يبق أماكن إلا فى المقعد الأخير، فقام أحد الجالسين فى المقعد الأوسط ليستطيع "صاحبنا" الرجوع إلى المقعد الخالى، فقام صاحبنا بالجلوس مكان الراكب، قائلاً له "دى عربيتى" وأجلس فى المكان الذى أريده، فذهل الرجل، وطلب منه أن يفسح له المكان حتى يستطيع الرجوع، فرفض وقال له ارجع من الناحية الأخرى، فذهب الرجل إلى الناحية الأخرى، فرفض صاحبها أيضاً خوفاً من أن يحدث له نفس ما حدث!!!! وهنا تدخل السائق – والد شريف – وطرد "بلدياته" من السيارة، وقال له ايحث لك عن سيارة أخرى!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
إخوانى.. أخواتى
هذه الحكايات الأولى من "حكايات من فسادستان" على لسان شريف سائق البيجو..
وأظن أنها معبرة بما يكفى عن حال بلدنا العظيم "فسادستان".
والسلام..

الأربعاء، ٢١ مارس ٢٠٠٧

مشكلة حلت المشكلة

فى إحدى القرى التركية والتى تدعى "مشكلة" يوجد "مُختار" أو "عمدة" غير متعاون مع أهل القرية، و"يركب رأسه" فى قراراته؛ مما أدى إلى تعطيل مصالح أهل القرية..
كما أن هذا المختار غير متعاون حتى مع أعضاء المجلس البلدى الذين يشاركونه إدارة أمور القرية.
وبعد أن يأس أعضاء المجلس البلدى من محاولات التعاون مع هذا "العمدة" الديكتاتور، قرر أعضاء المجلس البلدى الاستقالة من مناصبهم..
وبعد أن فاض كيل أهل القرية من هذا "الريس الراكب دماغه".. وبعد أن قدم الأعضاء استقالاتهم، دعا أهل القرية لانتخابات جديدة ينتخبون فيها أعضاء جدد للمجلس البلدى..
وقرروا..
وأجمعوا..
ورشحوا.. أربعة من المرضى العقليين لهذه المناصب الأربعة!!!
نعم.. رشحوا أربعة من المجانين!!!
ولم يترشح أحد أمامهم..
وتم اختيارهم بالتزكية..
وأصبح المجانين أعضاء بالمجلس البلدى لقرية "مشكلة"، ليشاركوا "العمدة" اجتماعات المجلس البلدى.
وكانت النتيجة..
النتيجة..
أن أطلق "الريس"، بل "العمدة" الرصاص على نفسه (على ما أتذكر) محاولاً الانتحار، وقد نقل إلى المستشفى فى حالة خطيرة ليعالج من إصابته..
ولا أدرى بعد أن نشرت قناة الجزيرة هذا التقرير منذ شهرين تقريباً: أما زال هذا الرجل حياً أم لا؟!!!!
ترى ما رأيكم فى الحل الذى ابتكرته قرية "مشكلة"..
وانتخابات الشورى على الأبواب..
والمرضى العقليون يملأون كل شوارع مصر..
إخوانى.. أخواتى
ما رأيكم فى هذا الحل؟!!

الأربعاء، ١٤ مارس ٢٠٠٧

د. صلاح الدسوقى


لم أر فى حياتى رجلاً مثل هذا الرجل، بل ولم أتخيل أن تجتمع كل ما أتمناه من صفات إنسانية فى شخص واحد..

شخص واحد تراه أمام عينيك، وتعايشه بقلبك قبل حواسك..

فتعرفه بأنه: العالم.. أستاذ الجامعة.. الطبيب..

وتشاهده: الداعية.. الربّانىّ.. حافظ القرآن.. ندىّ الصوت..

وتصفه بأنه: الرقيق.. المتواضع.. الخلوق.. البارّ بوالديه..

وترافقه فتجده: الفاهم لدينه.. الباذل.. المُضحى.. المهموم بشأن دعوته.. المحب لوطنه

هذا ببساطة، ودون مبالغة: الدكتور/ صلاح الدسوقى..


العالم.. أستاذ الجامعة.. الطبيب:

هذا الرجل البسيط، المتواضع هو الحاصل على:

1- بكالوريوس الطب والجراحة.

2- ماجستير الجراحة العامة، وجراحة الأطفال.

3- ماجستير التشريح وعلم الأجنة.

4- دكتوراة التشريح وعلم الأجنة.

ويستعد للحصول - بإذن الله - على دكتوراة فى جراحة الأطفال.

هذا الرجل الذى يدرس علم التشريح فى جامعة الأزهر، ويدرس انتداباً فى إحدى الجامعات الليبية..

هو ببساطة: الطبيب الذى يحبه الأطفال قبل الكبار فى عيادته بميت عقبة، ومستشفيات الجمعية الطبية الإسلامية..


الداعية.. الربانى.. حافظ القرآن.. ندى الصوت

هذا الرجل الذى يمارس الدعوة بفطرته.. دون تكلف، ودون عناء..

يمارسها بأخلاقه، وأدبه.. يمارسها فى لفظه، وخطوه.. يمارسها بوقته، وجهده..

لا يخلو معه حوار من دعوة، ولا نقاش من توجيه، ولا موقف من تربية..

وقد قال لى أحد الزملاء، الذى رافقه فى سكنه القديم فى ميت عقبة: حين كنا نريد الخشوع فى الصلاة، وحين نحن إلى العَبرة بين يدى الله، كنا نقدمه ليصلّ بنا ركعتين فى جوف الليل وقت السحر.. حتى تلين قلوبنا، وتخشع لذكر الله..


الرقيق.. المتواضع.. الخلوق

لم أر فى حياتى شخصاً بهذه الرقة، وهذا الحرص على مشاعر الغير..

يسأل عن كل الناس، وأحوالهم، وصحة آبائهم، وأبنائهم، وهو الأكبر سناً، والأعظم مكاناً، والأكثر انشغالاً..

يعايشك، فلا تشعر معه أبداً أنه أستاذ جامعى فى الخمسين من عمره، وأنت الشخص قليل العلم، صغير السن، متواضع المكانة، بل تشعر معه دائماً أنه أبوك الرحيم، أو أخوك العطوف..

يسمع لرأيك كاملاً، ويستحى أن يقاطعك.. كنت أفرّغ فيه شحنات غضبى، فيتلقاها بصبر وتؤدة.. مهدئاَ، ومُمنياً، ومُذكراً..

يُمرِّض أبنائى الصغار فى بيتى، وهو من هو، ثم يسأل عنهم كل يوم، حتى يطمأن على زوال المرض، وشفاء العليل..


البار بوالديه

بأبيه البالغ من العمر 82 عاماً، والمصاب بأمراض الشيخوخة، وارتفاع الضغط.

وبأمه المريضة بثلة من الأمراض:

- بكسر فى مفصل الحوض الأيسر..

- وتيبس فى مفصل الحوض الأيمن..

- والمحتاجة إلى استبدال مفصل..

- والمريضة بقصور فى الشريان التاجى..

- والمريضة حديثاً بفشل كلوى مزمن اكتشف قبل اختطافه بفترة زمنية وجيزة..

كان لأمه طبيباً، وممرضاً، وخادماً: يبيت بجوارها، ويغسل ثيابها، ويساعدها فى قضاء حاجياتها دون كلل، ولا ملل..


الفاهم لدينه.. الباذل.. المُضحى.. المهموم بشأن دعوته.. المحب لوطنه

يقف هذا الرجل بهدوئه، ورزانته، ورجاحة عقله سداً منيعاً حين يشتد الظلم، وتنفعل النفوس، وتتأجج الصدور.. يقف مذكراً بموقف لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومستشهداً بآية، ومُثنياً بحدث فى طريق الدعوة؛ حتى تهدأ النفوس، وتستنير العقول..

هذا الرجل الذى أهمل عيادتيه حباً وبذلاً لدعوته التى ملكت عليه حياته، وأذكره حين يتصل بأم سيد - ممرضة عيادته القديمة - فى الساعة الحادية عشرة مساء يسألها عن مرضى ينتظرونه فى مثل هذا الوقت، ولا يبالى بوجودهم من عدمه.. فقد باع واشترى، وينتظر الثمن..

الذى يضحى بساعات نومه، ووقته.. حتى أنه لا يستخدم سيارته، حتى يقتنص دقائق للنوم فى المواصلات..

هذا الرجل الذى ضحى بسفر إلى الخارج من أجل بلده الذى أحب، والتى يراها تحتاج لكل يد تصلح، ولكل عقل يفكر، ولكل جسد يبذل.

هذا الرجل الذى انشغل بالصحة العامة، وسعى، بل وقدم بحثاً حول الغذاء الصحى الآمن الخالى من الكيماويات، والأعلاف الصناعية.. وسعى لنشر هذه الفكرة بين الشباب، وعموم الناس.. وكان يحلم بها، وبتنفيذها واقعاً على أرض زراعية خالية من الكيماويات، وعلى أرض مزرعة للدواجن والحيوانات تأكل فيها أعلافاً طبيعية.. هذا الفكرة التى وأدها اللصوص وسط ما سرقوا من أفكار، ودراسات، وأبحاث..


الزوج، والأب

الرجل الذى ابتلاه الله بالتأخر فى الولد عشر سنوات، ولم يتبرم، ولم يشكُ، ولم يُر إلا شاكراً راضياً حامداً..

كان الله فى عون زوجه الدكتورة/ أميرة؛ فقد افتقدت أباً، وأخاً، وصديقاً قبل أن تفتقد زوجاً رفيقاً محباً رقيقاً.

كان الله فى عونها وهى تخبر أحمد الصغير ذا الأربع سنوات أن أباه فى ليبيا..

كان الله فى عونها وابنها يلح عليها، وعلى والده أن يعود من ليبيا (سجن طرة) ليرافقهما إلى البيت..


لكِ الله أيتها الأخت الفاضلة..

ولك الله أيها الولد الصغير..

ولك الله أيها الأب العجوز..

ولكِ الله أيتها الأم المريضة..


ولك الله يا مصرُ..

بل ولنا الله جميعاً..


إخوانى.. أخواتى

ندعوه كما دعاه رسولنا الكريم، حين ضاقت به السبل، واشتدت عليه الأزمة:

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.. يا أرحم الراحمين أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربّي.. إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهَّمني، أم إلى عدو ملكته أمري.. إن لم يكن بك علىِّ غضبُُ فلا أبالي، ولكنَّ عافَيَتَك أوسعُ لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك أو يَحِلَّ علىَّ سخطُك.. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك.

السبت، ١٠ مارس ٢٠٠٧

"دَستور"، و"دُستور"

"دَستور"، و"دُستور" كلمتان تتفقان حرفاً، وتختلفان معنى
أما الأولى، وهى "دَستور" فكلمة دارجة يستخدمها المصريون فى حالة من اثنين:
1- عند التعامل مع ما يسمى بـ "الأسياد"، وهم الجن؛ فيقولون عند الإشارة إليهم "دَستور يا أسيادنا".
2- عند الدخول إلى مكان يبدو من هدوئه أن أصحابه غير منتبهين لدخول قادم إليهم.
وأما الثانية، وهى "دُستور" فكلمة غير عربية، والأرجح أنها فارسية، وتعنى "القانون الأساسى"، أو "القانون الحاكم" الذى يُرجع إليه حين صياغة القوانين - ما يسمى بعملية التشريع القانونى.
الأولى يعرفها معظم المصريين، جاهلهم ومتعلمهم.. فقيرهم، وغنيهم.. كبيرهم، وصغيرهم.
أما الثانية فيجهل معناها الاعتبارى معظم المصريين من كافة فئاتهم، وطوائفهم؛ رغم سماعهم عنها فى كل وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، والمقروءة.
وأقصد بـ "معناها الاعتبارى": المعنى الذى يرسخ فى النفوس، ويتحول إلى أرض الواقع.. قانون أساسى يعبر عن الناس، وعن هويتهم، وعن ثقافتهم.. يلجأون إليه حين يختلفون، وحين يتجادلون، وحين يشعرون بالظلم.
فالدُستور: مرجع الأمم.. تتوافق عليه بما يعبر عنها، يحكم علاقتها بحكامها، وأصدقائها، وأعدائها، وعلاقتها بماضيها، وعلاقتها بمستقبلها.
والدُستور - كما يقول المفكر الكبير والمستشار طارق البشرى - لا ينشأ واقعا، ولكنه يثبت ما هو واقع فعلاً..
أى أنه يثبت واقع الأمة الذى توافقت عليه، وتعايشت به، ولا يُنشأ واقعاً جديداً لتعيش عليه الأمة من جديد..
لذا، فالدستور ثابت ما ثبتت الأمم.. باق ما بقيت الشعوب..
هكذا أريد بالدُستور أن يكون، وهكذا تعايشت عليه الديمقراطيات الغربية العتيقة، والديمقراطيات الناشئة الحديثة..
أما فى مصر - وسائر البلدان العربية - فـ "الدُستور" أقرب إلى "الدَستور".. كلاهما مجهول لدى الناس.. كلاهما يخاف منه الناس.. كلاهما لفظ لا معنى له..
فالدُستور المصرى السابق - الذى يراد تعديله - يفرض "الاشتراكية" فى معظم مواده الاقتصادية؛ ورغم ذلك بـِيع القطاع العام، دون اعتبار لهذه النصوص..
ويتحدث عن "تحالف قوى الشعب العامل".. ولا يعرف أحد المعنى الحقيقى لهذه الكلمة، أو ماذا يقصد بها، وعلى من تعود؟
ويتحدث عن الحرية.. حرية السكن، وحرية حيازة الأموال، وحرية العيش دون رقيب، وحرية السلطة القضائية؛ ورغم ذلك تـُنتهك كل الحريات من أصغر أمين شرطة فى الشارع، ومن أصغر صحفى، ومن أصغر "ابن مين فى البلد دى"، ومن أصغر فنان، وفنانة، ومن، ومن ....
ويتحدث عن نائب للرئيس، ولا يوجد نائب للرئيس..
ويعطى للرئيس سلطات أقرب للألوهية منها للبشرية؛ ورغم ذلك يتحدث عن سلطات ثلاث تستقل كل واحدة عن الأخرى!!!!
ويتحدث عن حرية الصحافة، وعدم الرقابة عليها؛ ورغم ذلك تمنع أى صحيفة من الصدور إلا بموافقة السلطة التنفيذية، وتغلق أى جريدة لا تعجب السلطة التنفيذية..
هكذا كان الدستور - الذى سيكون دستوراً سابقاً بعد ثلاثة أسابيع.
أما الدستور اللاحق، فسيكون أكثر تعبيراً عن كل ما يمكن أن يسمى بـ "سمك.. لبن.. تمر هندى".
فالمواد ستضرب بعضها بعضاً..
- فالمادة الثانية التى تنص على: "الاسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسى للتشريع" ستخالف المادة الخامسة التى ستنص على: "للمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية وفقًا للقانون ولا تجوز مباشرة أي نشاطٍ سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أية مرجعية دينية أو أساس الدين أو بناء على التفرقة بين الجنس والأصل"..
- والمادة 179 الجديدة التى تنص على: "تعمل الدولة علي حماية الأمن والنظام العام في مواجهة أخطار الارهاب وينظم القانون أحكاما خاصة بإجراءات الاستدلال والتحقيق التي تقتضيها ضرورة مواجهة تلك الاخطار وذلك تحت رقابة من القضاء وبحيث لا يحول دون تطبيق تلك الاحكام الإجراء المنصوص عليه في كل من الفقرة الاولي من المادة 51 والمادة 44 والفقرة الثانية من المادة 45 من الدستور. ولرئيس الجمهورية ان يحيل أية جريمة من جرائم الارهاب إلي أية جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون" ستناقض المواد من المادة 40 حتى المادة 57، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: "الحرية الشخصية حق طبيعى وهى مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأى قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضى المختص أو النيابة العامة، وذلك وفقا لأحكام القانون. ويحدد القانون مدة الحبس الاحتياطى" و"للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها إلا بأمر قضائى مسبب وفقا لأحكام القانون"، و"لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون. وللمراسلات البريدية والبرقية والمحادثات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها أو الإطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب ولمدة محددة ووفقا لأحكام القانون"، و"حرية الرأى مكفولة، ولكل انسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون، والنقد الذاتى والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطنى"، و"للمواطنين حق الاجتماع الخاص فى هدوء غير حاملين سلاحا ودون حاجة الى إخطار سابق، ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة. والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة فى حدود القانون"، و"للمواطنين حق تكوين الجمعيات على الوجه المبين فى القانون، ويحظر انشاء جمعيات يكون نشاطها معاديا لنظام المجتمع أو سريا أو ذا طابع عسكرى".
- والمادة 62 الجديدة التى ستنص على "للمواطن الحق في الانتخاب وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقًا لأحكام القانون والمساهمة في الحياة العامة واجب وطني، وينظم القانون حق الترشيح لمجلسي الشعب والشوري وفقًا للنظام الانتخابي الذي يحدده بما يكفل تمثيل الأحزاب السياسية ويتيح تمثيل المرأة في المجلسين، ويجوز أن يأخذ القانون بنظامٍ يجمع بين النظام الفردي والقوائم الحزبية بأية نسبة بينهما يحددها، كما يجوز أن يضمن حدًّا أدنى لمشاركة المرأة في المجلسين" ستناقض المادة 40 التى تنص على "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة".
وعلى هذا فقِس..
إذن عن أى دستور نتحدث، وعن أية تعديلات نتشاور..
والدستور بوضعه الجديد سـ "يدستر" العلمنة، ويمنع الناس من التعبد فى حياتهم بدينهم.. بتسييره لشئون حياتهم - التى هى السياسة.. بمرجعيته لكل أمور دنياهم التى لا يصح إسلامهم إلا بها..
عن أى دستور نتحدث، وتحويل الناس إلى أية محاكم مُنشأة - عسكرية، وأمن دولة، أو ستـُنشأ أصبح "مُدستراً" وبسلطة رئيس السلطة التنفيذية - الذى هو رئيس الجمهورية - فى أى وقت كان، أو بأية تهمة ستكون.. سيكون حقاً مطلقاً لا مراجعة فيه من سلطة قضائية، أو من سلطة تشريعية..
عن أى دستور نتحدث.. ورئيس السلطة التنفيذية سيكون من حقه المطلق أن يحل السلطة التشريعية فى أوقت كان، وبأى سبب سيكون..
إخوانى.. أخواتى
إنه الدَستور المصرى.. دستور الأسياد، أو دستور العفاريت.

الأحد، ٤ مارس ٢٠٠٧

طبائع الاستبداد، ومصارع الاستعباد


بعد أن رأيت صور أهالى وأطفال الإخوان المحالين إلى المحاكمة العسكرية، والممنوعين من التصرف فى حر أموالهم التى سهروا عليها الليالى، وتعبوا فى تكوينها دون أن يقترضوا من بنوك، ودون أن يرتشوا من مال عام، ودون أن يشاركو ابناً من أبناء الكبار فى النصب على هذا الشعب المسكين..
رأيت صورهم، وشعرت بالمرارة.. مرارة الظلم، ومرارة الانكسار.. مرارة الاستبداد، ومرارة العجز..

وكنت أسأل نفسى هل يملك هؤلاء من الأحاسيس ما يملكه البشر الذين خلقهم الله، وكرمهم على سائر مخلوقاته؟!!

هل يشعر هؤلاء بمعنى بكاء طفل حرم من أبيه؟

هل يشعرون بلوعة زوجة خطف منها زوجها أمام عينها، وروعت فى وقت السحر، وانتهكت حرمة بيتها؟

هل يشعرون بانكسار أب سُلب منه ابنه البار، وهو فى أشد الاحتياج إليه وقت هرمه؟!!

وبالطبع لم أجد إجابة تحمل معنى للإنسانية، أو تحمل معنى للرحمة..

ولكنها "طبائع الاستبداد"

هكذا تذكرتها، وهكذا تدارستها فى كتاب عبد الرحمن الكواكبى الرائع "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد".

هى هى نفس الطبائع.. هى هى نفس القسوة..

هى هى نفس الوجوه الكالحة التى تساعد الاستبداد وتشد من أزره على حساب الأمة..

رجال دين، ورجال علم وثقافة، وعائلات، وقضاة، ورجال شرطة، ورجال أعمال..

هى هى نفس طبائع الاستبداد.. هو هو نفس الإفساد..

إفساد الأخلاق، إفساد التربية..

كل هذا يتكرر عند المستبدين..

فى العصور السحيقة، والحديثة، وفى عصور الجهل، والعلم، وفى عصور الانحطاط، والرقى..

الطبائع واحدة، والأشخاص مختلفون..

وأقتبس من كتابه الرائع كلمات تصف المستبدين، وتـُعرف بهم، وبطبائعهم.. كما تعرف بطبائع شعوبهم المستعبَدة ودورهم فى هذا الاستبداد:

"المستبد يتحكم فى شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدى فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق، والتداعى لمطالبته".


"المستبد إنسان مستعد بالطبع للشر، وبالإلجاء للخير، فعلى الرعية أن تعرف ما هو الخير، وما هو الشر؛ فتلجىء حاكمها للخير رغم طبعه، وقد يكفى للإلجاء مجرد الطلب إذا علم الحاكم أن وراء القول فعلا. ومن المعلوم أن مجرد الاستعداد للفعل يكفى شر الاستبداد"


"المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم دراً وطاعة، وكالكلاب تذبلاً وتملقاً. وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خدمت خدمت، وإن ضُربت شرست، وعليها أن تكون كالصقور لا تـُلاعب ولا يُستأثر عليها بالصيد كله، خلافاً للكلاب التى لا فرق عندها أُطعمت أو حتى حرمت من الطعام. نعم على الرعية أن تعرف مقامها هل خلقت خادمة لحاكمها، تطيعه إن عدل وجار، وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف، أم هى جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها!. والرعية العاقلة تقيد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه فى يدها لتأمن من بطشه؛ فإن شمخ هزت به الزمام، وإن صال ربطته".


هكذا طبائع الاستبداد، وهكذا تكون مصارع الاستعباد.. كلاهما بيد الرعية لا بيد غيرها..

فالرعية النائمة، تستحق راعياً مستبداً، والرعية الواعية تستحق راعياً مسؤولا.

وليعلم الجميع أن الله عادل، لا يظلم عباده أبداً، كما أنه لا يترك أبداً ظالماً دون عقاب فى الدنيا قبل الآخرة..

وكما ذكر الكواكبى نقلاً عن الأخبار المأثورة:

"الظالم سيف الله ينتقم به، ثم ينتقم منه".

و"من أعان ظالماً على ظلمه سلطه الله عليه"


وليعلم معاونوا الظالمين (قضاة، أم جنوداً، أم صحفيين، أم كتاب) أيضاً ما ورد فى الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعان ظالما بباطل ليدحض حقا فقد برىء من ذمة الله عز وجل وذمة رسوله".

و"من أعان على خصومه بظلم، أو يعين على ظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع".


وليعلم المُستعبَدون الصامتون الساكتون المتفرجون قوله تعالى:

"واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".

و قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا بيده، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه".

إخوانى.. أخواتى
كما تكونوا يولّ عليكم.


الثلاثاء، ٢٧ فبراير ٢٠٠٧

ماذا قدم الإخوان؟

هذا عنوان رسالة كتبتها لإحدى المجموعات البريدية رداً على سؤال وجهوه لى حول ما قدمه الإخوان المسلمون طوال تاريخهم الذى قارب الثمانين عاماً للمسلمين عامة ولمصر خاصة.
وقد صار هذا السؤال مطروحاً وبقوة من أناس يجهلون عن الإخوان الكثير، حتى ظن بعضهم - بحسن نية، أو بجهل - أن الإخوان لم يقدموا شيئاً فى مقابل تضحياتهم التى صارت جزءاً من مشروعهم الذى يعيشون به، وله.
وأعيد نشر هذه الرسالة اليوم دون تعديل - إلا فيما يتناسب مع كونها مقالاً لا رسالة؛ لعلها تعلم الجاهل، وتوقظ النائم، وتثبت السائر.
"من أراد أن يعرف ماذا قدمه الإخوان للمسلمين عامة وللمصريين خاصة فلا بد أن يعرف حال الأمة قبل ظهور دعوة الإخوان.
فلقد سقطت الخلافة الإسلامية فى عام 1924م، وبالتالى انفرط العقد الرمزى - فى ذلك الوقت - الذى كان يجمع المسلمين، وكانت كل البلاد الإسلامية محتلة – صغيرها وكبيرها، وأوجد الاستعمار حوله طائفة من الساسة المنتفعين من وجوده، وطائفة من المثقفين تعلمت فى بلاد الغرب، فلم تعد ترى من سبيل لنهوض هذه الأمة إلا من خلال الغرب، وفكر الغرب، وحياة الغرب، مع تطليق بائن لكل ما تنتمى إليه هذه الأمة من فكر وحضارة – والإسلام بالطبع فى صدارتها.
وفى خلفية الصورة شعوب محتلة متخلفة أكل منها الجهل ما أكل، وانتشر الفقر والمرض بين أبنائها فصاروا فريسة سهلة للأكلة التى تداعى إلى قصعتها.
وصار الإسلام حبيساً بين المساجد التى لا يرتادها إلا كبار السن والعجزة، ولا تقرب المرأة من المسجد أبداً لا من قريب ولا من بعيد إلا لزيارة الأضرحة والموالد.
ولم يشذ عن هذه الصورة إلا بعض الأوفياء لهذا الدين وهذا الوطن (أمثال: الشيوخ جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده ومصطفى المراغى – والزعيم مصطفى كامل – وبعض الأدباء من أمثال: مصطفى صادق الرافعى وعباس العقاد لاحقاً ومحمود سامى البارودى الخ...) ولكن ظل هؤلاء الأوفياء بعيدين عن دائرتى التأثير الرئيسيتين فى أى مجتمع وهما السلطة والجماهير.. فلمواقفهم السياسية والفكرية تم إبعادهم عن دائرة السلطة، ولأفكارهم الثقافية الفوقية – غير المختلطة بعموم الناس - ابتعدوا عن الدائرة الثانية.
هكذا كانت الصورة.. صورة قاتمة لا يرى فيها بصيص ضوء لا من قريب ولا من بعيد..
ولمحاولة تغيير هذه الصورة القاتمة قام حسن البنا بإنشاء جماعة الإخوان المسلمين، جماعة تعيد الناس للإسلام من معينه الصافى القرآن والسنة، تعيد للإسلام مجده، وللمسلمين عزهم..
هكذا كانت الفكرة فى الإسماعيلية للشاب ذى الاثنين والعشرين عاماً؛ فاستفاد من أخطاء من سبقوه وخاطب الدائرة الثانية – دائرة الجماهير البسطاء منهم – كلمهم عن الإسلام الذى يحبونه، ولكنهم لا يعرفون كنهه.. يحبونه ولكنهم لا يعملون لرفعته.. يحبونه ولكنهم لا يقدرونه قدره..
أعلمهم – بالعمل قبل الكلام – أن الحل لمشاكلهم فى هذا الدين العظيم الذى راكم أعداؤه عليه التراب حتى لا يرى أهله صفاءه ونقاءه..
وأعلمهم أن خروج المستعمر يحتاج إلى قوة السلاح، وأن لا سلام لمستعمر ينهب أرضنا وثرواتنا بالتعاون مع حفنة ضالة احترفت سرقة هذا الوطن على أجساد أبنائه..
وكما خاطب – هو وإخوانه – البسطاء، خاطبوا أيضاً علية القوم من المثقفين والساسة والأدباء، حتى اقتنع بالفكرة وعمل لها المستشارون – من أمثال المستشار حسن الهضيبى والمستشار عبد القادر عودة – والمحامون والأطباء والمهندسون والمدرسون والفلاحون والعمال، حتى صارت شعب الإخوان 4000 شعبة فى كافة أنحاء القطر المصرى - وانتشرت بعد ذلك فى سبع وسبعين دولة - تجذب إليها كل طبقات المجتمع.. الغنى والفقير.. المتعلم والجاهل.. المثقف والبسيط.. الخ... (http://www.daawa-info.net/books1.php?parts=135&au=حسن%20البنا )
ولكى أضع القارئ فى الصورة أسرد بعض الأمثلة (من الماضى والحاضر) كى تتبين المعالم أكثر وأكثر:
- كان رواد المساجد من كبار السن، فأصبح الشباب هم القائمين عليها يعلمون الناس دينهم ودنياهم.
- لم يكن للأطفال أن يدخلوا المساجد ليتعلموا دينهم منذ الصغر، فصارت وجهة لهم، ومدرسة للجمعة يجلسون فيها مع أستاذهم فيعلمهم ويلاعبهم حتى يرتبطوا بالمسجد والدعوة.
- لم تكن المرأة لترتاد المساجد وهو ما يخالف حال صحابيات رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فعدن على يد الإخوان.
- أعادوا السنن التى طمرت كصلاة العيد فى الخلاء، ومازال الإخوان ينظمون معظم الساحات فى كافة أنحاء القطر.
- لم تكن هناك أماكن للصلاة داخل جامعة فؤاد الأول – القاهرة حالياً – حتى أذن أحد طلبة الإخوان فى كلية الحقوق للظهر، وصلى بمفرده وظل كذلك حتى بدأ العدد يزداد رويداً رويداً فاضطرت إدارة الجامعة إلى أن تخصص لهم إحدى الغرف للصلاة، وصارت بعد ذلك ضرورة لأى كلية أو إدارة تنشأ.
- وجه حسن البنا رسالة للساسة المصريين يدعوهم فيها للعمل بالإسلام اقتصاداً واجتماعاً وسياسة بصورة لم يسمعها هؤلاء من قبل. (رسالة نحو النور http://www.daawa-info.net/books1.php?id=5135&bn=195&page=13 ).
- استفاد الإخوان من الجوالة فأنشأوا المعسكرات فى القطر المصرى كله ليدربوا الشباب على النظام والصبر والجلد (http://www.daawa-info.net/books1.php?parts=135&au=حسن%20البنا ).
- أنشأ الإخوان المدارس (والأمثلة الحالية: الهدى والنور فى المنصورة، والجيل المسلم فى طنطا والمحلة وسمنود، والرضوان فى مدينة نصر، والجمعية الإسلامية فى بنى سويف.. الخ)، والمصانع (غزل ونسيج ومحاجر وغيرهما)، وشركات (مطبعة، ودار نشر، الخ...)، والصحف والمجلات (الإخوان المسلمون، والنذير، الخ...)، وجمعيات خيرية (الجمعية الطبية الإسلامية حالياً، وقبل ذلك الجمعيات الخيرية الإسلامية فى كل المحافظات). وللمزيد كتاب: الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ للأستاذ/ محمود عبد الحليم.
- أقض شباب النظام الخاص مضاجع الاحتلال الإنجليزى فى القناة ونسفوا كوبرى الفردان فى إحدى المرات، واشترك المرشد الحالى محمد مهدى عاكف فى تجهيز نسف قطار به جنود إنجليز بذخيرتهم؛ مما شجع فى النهاية أحزاب الوفد ومصر الفتاة أن تنشأ ما يسمى بالقمصان الزرقاء والخضراء لمقاومة الإنجليز. فالمقاومة المصرية للإنجليز لم تخرج من بيت الداعرات والراقصات كما صورت الأفلام العربية، ولم تكن عشوائية بل كانت منظمة وقام عليها نظام خاص أنشأه الإخوان لهذا الغرض وبعد ذلك نافست الأحزاب الأخرى الإخوان فى هذا الأمر بصورة أحيت الأمل فى طرد المحتل من الأرض المصرية.
- كتائب الإخوان من مصر والأردن وسوريا فى حرب فلسطين وما فعلته من بطولات ضد الصهاينة والمستعمرين اليهود ولولا خيانة الأنظمة العربية لكان هناك شأن آخر (شهادة اللواء/ صادق المواوى قائد القوات المصرية فى حرب فلسطين سنة 1948 بحق دور الإخوان المسلمين) (http://www.daawa-info.net/books1.php?parts=110&au=كامل%20الشريف ).
- الدعوة لمقاطعة المحلات اليهودية (صيدناوى وشيكوريل وشملا) فى مصر، ونشر ذلك فى ربوع مصر كلها للتأثير فى قضية فلسطين.
- كلمة الطالب/ مصطفى مؤمن (زعيم طلبة الإخوان فى الجامعة) فى الأمم المتحدة عن الاحتلال الإنجليزى لمصر.
- اجتماع المرشد العام للجماعة بعبد الرحمن عزام أمين عام جامعة الدول العربية ودور ذلك فى تحريك الدول العربية لجيوشها نحو فلسطين، وجمع تبرعات الإخوان وغيرهم للشيخ/ أمين الحسينى فى ربوع مصر كلها لمقاومة اليهود الغاصبين.
- دور الجماعة فى حماية ثورة يوليو وحماية المنشآت الحيوية وقت قيام الثورة (الضابط الذى حاصر قصر التين فى الإسكندرية من الإخوان واسمه أبو المكارم عبد الحى).
- ظهور العديد من المفكرين والاقتصادين والقادة الذين تربوا داخل الجماعة وبين أحضانها ( الشيخ/ أحمد ياسين، ود. عبد العزيز الرنتيسى، والشيخ/محمد الغزالى، والشيخ/ يوسف القرضاوى، وفهمى هويدى وقد كان مسجوناً بتهمة الانضمام إلى الإخوان فترة الستينات، والشيخ/ محمد أبو زهرة، والمستشار/ عبد القادر عودة صاحب التشريع الجنائى الإسلامى، سيد قطب، وزينب الغزالى، وعمرو خالد وقد كان عضواً أو أميناً لاتحاد طلاب كلية التجارة جامعة القاهرة عن التيار الإسلامى فى الثمانينات، وعثمان أحمد عثمان مؤسس شركة المقاولون العرب، ويوسف ندا ملك الأسمنت فى أوربا فترة السبعينات، والكثير الكثير الذين قد أنسى أسماءهم).
- حمل طلبة الإخوان للفكرة الإسلامية داخل الجامعات حتى الآن رغم الاعتقالات والتنكيل بهم واستبعادهم من المدن الجامعية، ومحاولة استرداد حقوق الطلاب من الاتحادات الطلابية المنهوبة، وحض الطلبة على الإيجابية. والقيام على خدمة الطلاب بتقديم مذكرات الامتحانات، وعمل حملات تنظيف للكليات وغيرها من الخدمات.
- الدفاع عن قضايا فلسطين والعراق وتذكير الشعب المصرى بهما من خلال البيانات والملصقات والمحاضرات التى تملأ الشوارع المصرية من أدناها إلى أقصاها.
- حركة حماس فى فلسطين.
- الحزب الإسلامى العراقى الممثل الأساس للسنة فى العراق.
- عودة الحجاب للشارع المصرى بعد اختفائه التام فى فترة الستينات (وقت اعتقالات الإخوان).
- إقامة الحفلات والأناشيد الإسلامية فى ربوع الجامعات المصرية لتقديم فن نظيف يجمع بين سمو الفكرة والارتباط بالآداب الإسلامية (مسرحية شقلبة ومسرحية فانتوم بمسرح نقابة المهندسين، ومسرحية أولاد الأبالسة بجامعة المنصورة، ومسرحية احكِ يا درة بمسرح فيصل ندا وغيرها)، وعودة الناس لما يسمى بالأفراح الإسلامية البعيدة عن الإسفاف والرقص والمجون.
- عودة الفكر الإسلامى مرة أخرى إلى الساحة بعد سيطرة الماركسيين واليسارين عليه فى فترة الستينات (وقت اعتقال الإخوان).
- الإصرار على وضع المادة الثانية من الدستور المصرى وهى أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع فى مجلس شعب 1979 (الشيخ/ صلاح أبو إسماعيل، والحاج/ حسن الجمل عضوا الإخوان الوحيدان فى المجلس).
- جهود الإخوان فى مجلس شعب 1984، 1987، 2000، 2005 فى الدفاع عن حقوق المصريين المنهوبة ومحاولة وقف استنزاف ثروات هذا الشعب المسكين، والدفاع عن الحل الإسلامى داخل هذه المجالس (http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ID=14480&LevelID=2&SectionID=529 ) .
هذا كله غيض من فيض حاولت أن أختصره قدر المستطاع وأغفلت أشياء كى لا أطيل، لكنى أظن أنى قد أغمطت الجماعة حقها، فما قامت بها أكبر من أن تسطره الكلمات، أو يعبر عنه المداد.
ولكنى أريد أن أؤكد أن الله هو الذى يسخر من عباده من شاء وقتما شاء، وأن لا فضل لأحد على دين الله، فهذا واجب قام به الإخوان وما زالوا يقومون به إرضاء لله عز وجل وحده لا يبغون شكراً من أحد ولا ينتظرون رضا أحد.. الله وحده هو غايتهم، وجنته فقط هى هدفهم..
قدموا فى سبيله وما زالوا يقدمون:
- أرواحهم (عبد القادر عودة، ومحمد فرغلى فى الخمسينات، وسيد قطب، ويوسف هواش فى الستينات، وكمال السنانيرى فى السبعينات، وعبد الله عزام فى الثمانينات، وأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسى فى أوائل هذا القرن، ومسعد قطب وأكرم زهيرى وطارق الغنام العام قبل الماضى).
- وأموالهم (يدفع كل الإخوان اشتراكاً مالياً من مرتباتهم تزيد عن 5 % فى سبيل دعوة الله عز وجل).
- وأوقاتهم، وأجسادهم (فمعظم الإخوان قد لاقى التعذيب فى السجون فى كل العهود والبلاد).
- وأهليهم وأولادهم (فسجون مصر لم تخل من فرد من الإخوان منذ عام 1954 حتى الآن)".
والله من وراء القصد..

الخميس، ٢٢ فبراير ٢٠٠٧

ماذا لو غاب الإخوان

اسأل نفسك هذا السؤال.. اسأله وأنت مجرد من تعصب، أو من تحزب..

اسأله وأنت مستلق مع الخيال تعيش، ومع الواقع يؤثر فيك..
اسأله صادقاً، أميناً..

ماذا لو غاب الإخوان؟
ماذا لو كانت مصر، والبلاد العربية، والإسلامية، وبلاد العالم أجمع خالية من تنظيم الإخوان، ومن فكر الإخوان، ومن أفراد الإخوان؟

ليست هناك قداسة لأحد سوى لله عز وجل، وليست هناك قداسة لفكرة سوى فكرة الإسلام، وليست هناك قداسة لنصوص سوى نصوص الكتاب، والسنة الصحيحة..

إذن سؤال المفكر الدكتور/ النفيسى حول أهمية حل تنظيم الإخوان؛ لأنه - من وجهة نظره - أصبح عبأً على الفكرة الإسلامية.. ليس سؤالاً مرفوضاً فى حد ذاته؛ فالعقل، والتفكير من نعم الله على الإنسان التى ميزه بها عن سائر مخلوقاته؛ فإن لم نستعملها فقد جحدنا نعمة الله التى أنعم بها علينا..
ولا تفكير بغير خيال، ولا حياة بغير إبداع..

ولكن: لماذا السؤال؟
هل حرصاً على علاقات مع أنظمة أقل ما توصف به أنها فاسدة..
أم حرصاً على استعمار أقل ما يوصف به أنه قاتل..


لماذا السؤال؟
هل نضجت الثمرة؛ فحان القطاف..
أم تيقظت الأمة؛ فانتهى الدور..


لماذا السؤال؟
هل هناك من يستلم الراية، ويرفع اللواء؟
أم أن الراية قد سقطت، ولا أمل فى حملها؟

سؤال على محك المصالح المرسلة.. المفاسد، والمنافع.


من يقدم لعدوه على طبق من ذهب أجمل هدية؟
هدية رأس الإخوان فى مصر، وفلسطين (حماس)، والأردن، والجزائر (حمس)، والمغرب (العدالة والتنمية)، وموريتانيا (التيار الإسلامى)، والكويت (الحركة الدستورية)، واليمن (التجمع اليمنى للإصلاح)، والعراق (الحزب الإسلامى)، وسوريا، ولبنان (الجماعة الإسلامية)، والسودان، وتونس (حركة النهضة)، وماليزيا، وإندونيسيا، و.....


من يقدم شعبه على طبق من لؤلؤ لحكومات فاسدة؟
كى يكون معارضوها أمثال الأحزاب الكرتونية، وأحزاب قراءة الكف، أو أمثال دحلان، ونورى المالكى، أو أمثال سعد الحريرى، ووليد جنبلاط، أو أمثال نوال السعداوى وأحمد البغدادى، أو أمثال ....
أو أن يكون رموزها من أمثال ابن لادن، والظواهرى حيث أكواخ تورا بورا.


من يقدم دينه على طبق من فضة؟
كى يكون المتحدثون على لسانه هم: من يُحرمون الجهاد فى فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وكشمير، و...؛ لأنه لا ينعقد جهاد بغير إذن ولى الأمر.. أو من يُغيبون الناس فى فقه المراحيض، والحيض، والنفاس.. أو من يخرجون الجان، ويفسرون الأحلام.. أو من ينصاعون لولى الأمر، ولو باع البلاد، وقتل الشباب، وخرب العقول، ودمر الأخلاق..

أى مصلحة إذن نجلب؟ وأى مفسدة نتجنب؟


إخوانى.. أخواتى
لا أرى الأمر سوى هزل، اختلط بجد، وقت شدة..
لم تقم أمة على أكتاف أناس مبعثرين، أو بأقلام مجموعة من المُنـَظـِّرين..
لا تقوم الأمم إلا على أكتاف من يعيشون بين الناس، يخطئون، ويصيبون.. يُرَبُّون، ويتربون.. يقودون، ويقادون.. يجاهدون، ويصبرون.
ولم تقم الأمم إلا على أعناق "رجال صدقوا ما عاهدوا الله، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا".
أما المُنـَظـِّرون، فليعيشوا بين كتبهم، وليكتفوا بها، وليرحمونا كى تشملهم رحمة الإله.
"وما كان ربك ليهلك القرى بظلم، وأهلها مُصلحون".

الخميس، ١٥ فبراير ٢٠٠٧

وهى إيه المشكلة

طرح المؤلف المبدع "أحمد مرسى" هذا السؤال فى مسرحيته الرائعة "الشفرة" المعروضة حالياً على مسرح فيصل ندا.

طرحه على لسان مؤلف الأغانى الهابطة، وعلى لسان مهووس الكرة، وعلى لسان السكرتير الخائن الذى يبحث عن المنصب ولو على حساب أمته، ثم على لسان رئيس "بشرستان" الذى صحا ضميره فجأة حين تنبه أن بلده فى مصيرها إلى الزوال بسبب تعاونها مع الدولة العظمى "روبوتيكا".

كان السؤال عبثياً؛ ولكنه كان عميقاً..

ما المشكلة؟؟

حين تأكل، وتشرب، وتنام، وتكسب المال، وتربى العيال؛ ولكن على قارعة بابك محتل، ينهب بلدك.. يملى عليك قراراتك، ويسلبك إرادتك..

ما المشكلة؟؟

العزة!!

ما ثمنها؟

الحرية!!

ما رصيدها؟

الكرامة!!

ما قيمتها؟

إذن: ما المشكلة؟

وأنا بدورى أعيد طرح السؤال: ما المشكلة؟؟

حين تأكل، وتشرب، وتنام.. وبلدك مستباحة من الفاسدين يعيثون فيها كيف شاءوا!!

ما المشكلة؟؟

حين تكسب المال، وتربى العيال.. وبلدك صارت فى الحضيض، لا عزة له ولا كرامة!!

ما المشكلة؟؟

حين تشاهد مباريات الكرة، وتسمع الأغانى.. وبلدك ينهشه الفقر، والجوع، والمرض!!

ما المشكلة؟؟

حين تهنأ بلقمة هنية، ووظيفة علية.. وبلدك معتقل فى سجن كبير، جدرانه الحدود، وجلادوه هم حراسه!!


ما المشكلة؟؟

وأنت تطعم عيالك، وتداعب زوجك.. وجارك، وابن عمك، وصديقك تنتهك حرياتهم، وتغتصب أموالهم!!

ما المشكلة؟؟

وابنك ينتظر قدومك، يلاعبك، وتلاعبه.. وابن بلدك يبكى أباه الذى افتقده، وافتقد حنانه!!


بالله عليكم..

ما المشكلة؟؟ ما المشكلة؟؟


الجمعة، ٢ فبراير ٢٠٠٧

عندما يكون الحجاج حكيماَ، وعمر بن عبد العزيز جاهلاَ


"لم ير الأتقياء فى حكم أحد من الخلفاء الأمويين ما يوافق مثلهم العليا، إلا عمر بن عبد العزيز، الذى أسهم جهله بالشئون السياسية فى تدهور أحوال الدولة، ثم سقوطها، وانتقال السلطة من أيدى العرب إلى الفرس!!".

"قد تكونت صور شوهاء من الصعب تغييرها عن الحجاج بن يوسف... لمجرد قسوته فى استئصال شأفة المارقين الخارجين على الدولة، وهو الذى شهد له الأوربيون بأنه أحد أعظم الإداريين فى تاريخ العالم".

ليس هذا كلامى بالطبع، ولا هو كلام رجل نزيل مستشفى للأمراض العقلية يظن نفسه عالماً ببواطن الأمور التى أخفاها التاريخ.. ولا قاله رجل مسطول فى قعدة مزاج استدعت إحضار التاريخ بعد الانفصال عن الحاضر..

ولكن هذا الكلام هو كلام المفكر اليسارى المعروف "حسين أحمد أمين" فى مجلة المصور فى أعداد مسلسلة لعام 1983م، يحكى فيها التاريخ الإسلامى من وجهة نظر "باذنجانية".

ولا أدون هنا عن هذا الكلام الساذج رداً عليه؛ فقد كفانى المؤونة من هو أكثر علماً، وأكثر قدرة على الرد، وهو الشيخ الدكتور/ يوسف القرضاوى فى كتابه القيم "تاريخنا المفترى عليه" الذى أقرؤه فى هذه الأيام، والذى قرأت فيه لأول مرة هذه القراءة التاريخية الحديثة للمفكر اليسارى والمثقف "حسين أحمد أمين".

ما شغلنى حين قرأت هذا الكلام، هو رؤية من يُسمون بـ "المثقفين" للسلطة، وارتماؤهم فى أحضانها، بل والتبرير لها..

وما شغلنى أيضاً هو من أبرز هؤلاء، ومن جعلهم مثقفين أصلاً، ومن أعطاهم هذا القدر من الشهرة.. إنها السلطة التى لمّعتهم حين كانت هناك وزارة للإرشاد القومى.. حين كانت الصحافة تملكها الدولة فقط.. حين كانت الدولة تحدد من يكتب، ومن لا يكتب..

حيث كانت السلطة تحدد من هم المثقفون، ومن هم الرجعيون.. وحيث كانت تحدد من هم الوطنيون، ومن هم أعداء الوطن..

هؤلاء من يوصفون بالمثقفين، وأستحضر التاريخ لأرى: أكان هؤلاء فى صف شعوبهم، أم كانوا فى صف سلاطينهم الظالمين؟

أستحضر آيات الثناء والمديح التى كيلت للحكام من هؤلاء المثقفين فى الخمسين سنة الأخيرة..

أستحضر هؤلاء فى عهد الملك.. صامتين خانعين..

ثم أستحضرهم فى عهد عبد الناصر ناقدين للعهد الملكى.. مادحين للعهد الجديد.. مؤلفين الروايات والكتب عن عظمة الثورة، وعظمة ضباطها، وخيانة الملك وحاشيته..

أستحضرهم فى عهد السادات.. حيث"إحنا بتوع الأوتوبيس"، وحيث السخرية من الاشتراكية، والارتماء فى أحضان الليبرالية..

أستحضر سهير القلماوى وهى تمنح جيهان السادات - الحاصلة على الثانوية العامة قبل تولى زوجها للرئاسة، وهى تمنحها درجة الدكتوراة فى اللغة العربية فى عهد السيد الرئيس المؤمن أنور السادات..

أستحضر رفعت السعيد، وهو عضو معين فى مجالس شورى المرحلة الميمونة..

وأستحضر جمال الغيطانى رئيس تحرير أخبار الأدب فى العهد الميمون، حيث الأدب أن تخنع وترضى بالفتات، وتسبح بحمد السلطان، أو أن تسكت على ما يفعله..

وأستحضر أحمد عبد المعطى حجازى، رجل التاريخ الذى يقرأ التاريخ بالمزاج، يقرؤه من مصادر الكتاب المدرسى، مصادر السلطة التى تحمى مصر من المتأسلمين، وتسلمها للفاسدين

وأستحضر صلاح عيسى رئيس تحرير جريدة "القاهرة" الذى يدافع عن وزير ثقافته هو بالشكل المميت له ولجريدته..

وأستحضر سمير سرحان، وهو يكتب قصيدة مدح فى طفلة صغيرة لم تبلغ الخامسة من عمره، لأنها بنت أحد أمراء الخليج..

والكثير والكثير..

هؤلاء هم مثقفو النسخة القديمة الذين صدعوا أدمغتنا بالحرية..

حرية المرأة.. حرية المجون.. حرية الوقوف فى صف السلطة.. أما حرية الشعوب ففيها نظر!!

حريتهم هم فى الكتابة، والظهور فى وسائل الإعلام ليحدثونا عن التقدمية، والرجعية.. أما حرية الحديث عن السلطان وجوره، فلا.

أما المثقفون الجدد فلم تستطع السلطة الجديدة بجهلها، وغبائها أن تصنعهم، لم تستطع أن تصنع مثقفيها الخاصين بها، فتعاملت مع القدامى، رغم أنهم إلى القبر أقرب، وإلى غياب العقل أبرز..

ورغم أن ماسحى الجوخ كثيرون، والمطبلون والمزمرون أكثر؛ إلا أنهم لا يملكون من اللسان ما ملكه أساتذتهم السابقون، ففشلوا كما فشلت سلطتهم التى ارتموا فى أحضانها..

لذلك فأبشر نفسى بأن هؤلاء قد شاخت أعمارهم، وأن الساحة ستخلوا قريباً من أمثالهم إلى غير رجعة؛ حتى يفقد السلطان من يدافع عنه، ويزين للناس ظلمه..

حينها سيبقى السلطان وحيداً يحيطه مجموعة من الجهّال، هم إلى توريطه سائرون، وإلى لفظ الناس له لذاهبون.. جهلاً وغباءً، وما عمرو عبد السميع، وتامر أمين، وفيد فوزى عنا ببعيد..

إخوانى.. أخواتى

إن كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد حذرنا من أن نغشى أبواب السلاطين بقوله: "إياكم وأبواب السلطان"؛ فلنحذر نحن ممن ارتادوها، وكرموا فى قصورها، ورأسوا تحرير جرائدها.. فإنهم وسلاطينهم سواء!!!

والسلام