لم أجد تعليقاً، أو تحليلاً لما تمر به أمتنا من مآس خيراً من هذه القصيدة للرائع المرحوم – بإذن الله – الدكتور/ حسان حتحوت:
فى عشة الدجاج
كما تكونوا.. يولّ عليكم
لم أجد تعليقاً، أو تحليلاً لما تمر به أمتنا من مآس خيراً من هذه القصيدة للرائع المرحوم – بإذن الله – الدكتور/ حسان حتحوت:
فى عشة الدجاج
كانت علاقتى بالأدب - ولا تزال - علاقة ضعيفة؛ فأنا بطبيعتى أحب الوقائع، والأحداث، ولا أستمتع بالعالم الافتراضى، والخيال الذى يستهويه الأدباء. كما أحب اللغة الصريحة الواضحة، ولا أميل إلى التعبيرات الضمنية التى هى المحبرة الأولى للأدباء والقصاصين.
لم أخرج عن هذا الطور أبداً إلا فى روايات نجيب الكيلانى؛ لأنها فى غالبها معبرة عن مجموعة من القيم التى تقربها من لغة العقل، وتحليلاته أكثر ما تقربها من لغة الخيال، وتضميناته.
ولكن رواية "عزازيل" - إن صحت تسميتها بالرواية، أدخلتنى مرة أخرى فى عالم الأدب الرحيب الذى ينقل إليك المعانى، والقيم، والتمارين العقلية العظيمة فى سلاسة جريان الماء فى جدوله الذى تحيطه الخضرة، وتعلوه الزرقة، وتشدو حوله العصافير.
سمعت ما أثير حول هذه الرواية من ضجة، وانفعالات، واتهامات؛ إلا أننى لم أنتبه، ولم أتطلع لمحاولة فهم ما يجرى؛ لأنها فى النهاية رواية.
إلا أن رسالة بريدية حملت مرفقاً به الكتاب كاملاً قبل عطلة عيد الأضحى، دفعتنى للفضول؛ فانتظرت قدوم العيد، وفراغى الجزئى من أعبائى الحياتية، وفتحت الرواية مستطلعاً على حاسبى الشخصى؛ فلم أتركها - وهى التى تزيد على الثلاثمائة وخمسين صفحة - إلا وقد قرأتها رقاً رقاً، وسطراً سطراً.
فوجئت حين قرائتها بأنها سيرة ذاتية - وليست رواية بالمعنى التقليدى للكلمة - لراهب مصرى اسمه "هيبا" كتبها باللغة السريانية القديمة "الآرامية" منذ ما يزيد على ألف وخمسمائة عام.
كتبها الرجل تأريخاً لحياته، ولما يمور به عقله من أفكار، واضطرابات طوال سنى عمره التى قضاها ما بين صعيد مصر الذى نشأ فيه وترعرع، وبين الإسكندرية التى عاش فيها قليلاً من الزمن ثارت فيه الشجون والأحزان والقلاقل، وبين أورشليم - القدس - التى ذهب إليها حاجاً لكنيسة القيامة، وأخيراً قرب مدينة حلب فى الدير الذى دفن فيه رقائقه التى خط عليها سيرته الذاتية، وأخفاها عامداً حتى يأتى أوان استكشاف أسرارها، ومفاجآتها الذى لم يحن إلا فى عام 1997م فى خرابة أثرية لأطلال دير عاش فيه هذا الراهب الطبيب ردحاً من الزمن.
كان ما فى سيرة "هيبا" من تاريخ، وأحداث، ووقائع، ووقفات، وتحليلات كفيلاً بالفعل بأن يثير ضجة شديدة لجرأتها فى طرح رؤية راهب عايش المئين الأولى من عمر المسيحية، وما اعتراها من تغيرات، وقوانين إيمانية كتبت حروفها باللون الأحمر القانى.
كنت سعيداً وأنا أقرأ نفور الراهب من كل ما يخالف فطرة الإنسان التى فطر الله الناس عليها.. كنت مبهوراً وأنا أرى العقل البشرى - رغم فتور الوحى الإلهى - وهو يحاول الوصول للحقيقة، والإيمان الذى شوهه أصحاب المصالح؛ وإن سُمُّوا زوراً بهتاناً بأسماء وألقاب وأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان.
كانت سعادتى أكثر بالرقى الإيمانى، والسمو الأخلاقى لرجل يقيس الأشياء بالفطرة، والمنطق معاً.. وبالقلب، والعقل سوياً.
لم أكن أعلم أن ثمة رهباناً كانوا يقضون الليالى الطوال - فعلاً لا قولاً - فى القرب من الخالق العظيم، وفى الصلاة إليه.. لم أكن أعلم أن منهم الزاهد فعلاً فى الدنيا زهداً مطلقاً - وإن خالف ذلك فطرة الإنسان، ولكنى رأيته بعينى "هيبا" لمن كان طعامهم مرة واحدة فى اليوم، ونومهم سويعات قليلة فى جوف الليل بعد صلاة طويلة لرب الأرباب.
رأيت من "هيبا" الضعف البشرى نحو الدنيا، ومباهجها، وعجائبها رغم محاولاته المتكررة للتغلب على هذا الضعف، وعلى هذه المنكرات - كما كان يراها دينه الذى تربى عليه.
رأيته وهو الطبيب الطموح الذى يعالج أمراض الفقراء والمحتاجين دون أجر ابتغاء للأجر ومساعدة للمحتاجين، ورأيت انفعالاته والأسقف "كيرلس" ينهاه عن طبه ضمناً، وهو يسأله: "من هو أعظم المتبحرين فى الطب؟" ثم وهو يرد على إجابته التى كانت تشير إلى "أمنحتب"، أو "أبقراط، أو "هيروفليوس"، أو "جالينوس" بقوله: "خطأ.. إجاباتك كلها خاطئة، فالذين ذكرتهم كلهم وثنيون، ولم يستطع واحد منهم أن يبرئ المجذوم والأبرص، وأن يحيى بلمسة من يده إنساناً مات"، ثم بقوله: "إن ربنا يسوع المسيح، أيها الراهب، هو بحر الطب، فتعلم منه، ومن سير القديسين والشهداء، واغترف البركات بيد تقواك وإخلاصك".
رأيت اضطرابه، وغضبه الصامت، ونفوره، والأسقف "كيرلس" يصف له العلوم بأنها: "خزعبلات المهرطقين، وأوهام المشتغلين بالفلك والرياضيات والسحر. فاعرف ذلك وابتعد عنه، لتقترب من سُبـُل الرب وطرق الخلاص، إن كنت تريد تاريخاً؟ إليك التوراة وسفر الملوك. أو تريد بلاغة؟ إليك سفر الأنبياء. أو تريد شعراً؟ إليك المزامير. وإن أردت الفلك والقانون والأخلاق، فإليك قانون الرب المجيد.".
وكانت صدمات "هيبا" الكبرى حين رأى أتباع الرب - المزعومين - وهم يقتلون أباه بوصفه: "لم أستطع منع ما انفلت من دموعى، حين وصفت له فزعى المهول فى ذلك اليوم المروّع، يوم كنت فى التاسعة من عمرى؛ فقد تربص بنا عوام المسيحيين عند المرسى الجنوبى، القريب من بوابة المعبد. كانوا يختبئون خلف الصخور من من قبل رسوّ القارب، ثم هرولوا نحونا كأشباح فرت من قعر الجحيم. قبل أن نفيق من هول منظرهم كانوا قد وصلوا إلينا من مكمنهم القريب.. سحبوا أبى من قاربه، وجرُّوه على الصخورليقتلوه طعناً بالسكاكين الصدئة التى كانوا يخبئونها تحت ملابسهم الرثة. كنت أزوم متحصِّنا بانكماشى فى زاوية القارب، وكان أبى غير متحصِّن بشىء، يصرخ تحت طعناتهم مستغيثاً بالإله الذى كان يؤمن به.".
كانت صدمته حينها من العوام، ولكن الطامة الكبرى كانت حين قتلت الأستاذة وعالمة الرياضيات، والمنطق "هيباتيا" على يد ابن الكنيسة بطرس القارئ بعد توجيه مباشر من رأس الكنيسة واسقفها حينذاك "كيرلـٌّس" بشكل بشع يصفه "هيبا" الراهب: "آه. لما التقط بطرس السكين الطويلة الصدئة، رآه سائق عربة هيباتيا، فقفز كالجرذان وجرى متوارياً بين جدران البيوت، كان بإمكان السائق أن يسرع بحصانيه فى الشارع الكبير. لكنه هرب، ولم يحاول أحد أن يلحق به! ظل الحصانان يسيران مرتبكين، حتى أوقفهما بطرس بذراعة الملوحة بالسكين.. أطلـَّت هيباتيا برأسها الملكى من شباك العربة، كانت عيناها فزعة مما تراه حولها. انعقد حاجباها، وكادت تقول شيئاً، لولا أن بطرس زعق فيها: جئناك يا عاهرة، يا عدوة الرب. امتدت نحوها يده الناهشة، وأيدٍ أخرى، حتى صارت كأنها ترتقى نحو السحاب فوق أذرعهم المشرعة، وبدأ الرعب فى وضح النهار. الأيادى الممدوة كالنصال، منها ما فتح باب العربة، ومنها ما شد ذيل الثوب الحريرى، ومنها ما جذب هيباتيا من ذراعها فألقاها على الأرض. انفلت شعرها الطويل الذى كان ملفوفاً كالتاج فوق رأسها، فأنشب فيه بطرس أصابعه، ولوى الخصلات حول معصمه، فصرخت، فصاح: باسم الرب، سوف نطهر أرض الرب.." وبعد وصف تقشعر له الأبدان كانت نهاية هيباتيا البشعة على أيدى جند الرب - المزعومين - فى صورة بيانية اقتربت من تصوير المشهد بكاميرا ثلاثية الأبعاد تمنعنى الإطالة من نقلها، وأكتفى بنهايتها التى يذكر فيها: "الذئاب انتزعوا الحبل من يد بطرس وهم يتصايحون، وجرّوا هيباتيا بعد ما صارت قطعة، بل قطعاً، من اللحم الأحمر المتهرئ. عند بوابة المعبد المهجور الذى بطرف الحى الملكى البرخيون ألقوها فوق كومة كبيرة من قطع الخشب، وبعدما صارت جثة هامدة.. ثم أشعلوا النار.. علا اللهب، وتتطاير الشرر.. وسكتت صرخات هيباتيا، بعدما بلغ نحيبها من فرط الألم، عنان السماء.".
هنا ترك "هيبا" الإسكندرية التى أتى إليها وكان يظنها مدينة للرب؛ فوجدها مدينة لعزازيل (الشيطان).
وفى موضع آخر يذكر "هيبا" فى مذكراته هذا الموقف المُعبـِّر عما يعتنقه من أفكار: "لما رأيت الأسقف أول مرة، استغربت واحترت، لأنه أطلَّ علينا من مقصورة مذَّهبة الجدار بالكامل، هى شرفة واحدة، فوقها صليب ضخم من الخشب، معلَّق عليها تمثال يسوع المصنوع من الجصِّ الملون. من جبهة المسيح المصلوب ويديه وقدميه، تتساقط الدماء الملونة بالأحمر القانى. نظرت إلى الثوب الممزق فى تمثال يسوع، ثم إلى الرداء الموشَّى للأسقف! ملابس يسوع أسمال بالية ممزقة عن صدره ومعظم أعضائه، وملابس الأسقف محلاة بخيوط ذهبية تغطيه كله، وبالكاد تظهر وجهه. يد يسوع فارغة من حطام دنيانا، وفى يد الأسقف صولجان أظنه، من شدة بريقه، مصنوعاً من الذهب الخالص. فوق رأس يسوع أشواك تاج الآلام، وعلى رأس الأسقف تاج الأسقفية الذهبى البراق.. بدا لى يسوع مستسلماً وهو يقبل تضحيته بنفسه على صليب الفداء، وبدا لى كيرلس مقبلاً على الإمساك بأطراف السماوات والأرض.".
كانت هذه الصورة الدنيوية المفرطة المرسومة فى المقطع السابق، بالإضافة إلى القسوة البالغة فى الموصوفة فى المقطع الذى يسبقه كافية لأن تزيد "هيبا" اضطراباً، وكفيلة بأن تزيد عقله المهتاج هيجاناً؛ فترك الإسكندرية، وذهب إلى حيث الراحة والهدوء، إلى أرض الديانات القديمة.
إلا أن حكمة بعض النساك، والقساوسة من أمثال الراهب الصموت الذى قال أمام "هيبا": "وليغفر الرب للإسكندرانيين ما فعلوه، وما يفعلونه الآن، وما سوف يفعلونه غدا! فكنيسة الإسكندرية لن تكف أبداً حتى تنهار، أو تنهار هذه الديانة كلها". أو ما قاله "نسطور": "يا هيبا ما يجرى فى الإسكندرية لا شأن للديانة به.. إن أول دم أريق فى هذه المدينة، بعد انتهاء زمن الاضطهاد الوثنى لأهل ديانتنا، كان دماً مسيحياً أراقته أياد مسيحية! فقد قتل الإسكندرانيون قبل خمسين سنة أسقف مدينتهم جورجيوس، لأنه كان يوافق على بعض آراء أريوس السكندرى. وقتلُ الناس باسم الدين، لا يجعله ديناً. إنها الدنيا التى ورثها ثيوفيلوس، وأورثها من بعده ابن أخته كيرلس. فلا تخلط الأمور ببعضها يا ولدى، فهؤلاء أهل سلطان لا أصحاب إيمان.. أهل قسوة دنيوية، لا محبة دنيوية.".. كانت هذه الكلمات هى التى تحفظ إيمان هيبا، إلا أن هؤلاء.. "نسطور" ومن سار على نهجه طردتهم المجامع المقدسة، ولعنتهم، وحرمتهم من مناصبهم الدينية!!
لم تخلُ السيرة الذاتية من بعض الفحش الذى ذكره "هيبا" حرصاً على أمانة السرد الحياتى، وحرصاً منه أيضاً على إظهار الضعف البشرى الطبيعى، والذى رأيته أنا أيضاً صورة من صور الرجوع إلى الطبيعة البشرية التى تحاول الرهبنة المبتدعة أن تحرم الإنسان منها.
أرى "هيبا" الممزق بين ما يقرأه فى قوانين الإيمان التى صاغتها المجامع المقدسة، وبين إيمانه الفطرى الذى آمن به الأسقف "نسطور"، والأسقف "تيودور" الذين حكم بكفرهما المجمع المقدس؛ لأنهما رفضا كون مريم العذراء أما للإله! أراه "بحيراً الراهب"، أو "ورقة بن نوفل".. أراه باحثاً عن الحقيقة بفطرته التى أرادوها أن تطمس بقوانين، وابتداعات ما أنزل الله بها من سلطان.. أراه من أهل الفترة الذين ذاقوا مرارة فتور الوحى، والانفصال المؤقت للسماء عن الأرض.. رحم الله "هيبا".
أظن أن هذه التطوافة على سيرة الراهب المصرى "هيبا" كافية كى لا يمل القارئ. كما أظن بأنها كفيلة بأن تشجع زوار المدونة على البحث سريعاً عن الكتاب كى يلتهموه كما التهمته.
كما أبدى إعجابى الشديد بمترجم هذه السيرة، والعالم الكبير "يوسف زيدان" على لغته البديعة، وترجمته الراقية، وعمله الدءوب الذى استمر سبع سنين عكف فيها على إخراج هذه التحفة النادرة للوجود، فجزاه الله خير الجزاء، وقدّر له الخير حيث كان.
وحمداً لله أن هداه إلى التراجع عن قراره بتأجيل طبع ونشر هذا العمل البديع إلى ما بعد وفاته خوفاً من مصير الموت المفجع والمفاجئ للأب "وليم كازارى" الذى أشرف بنفسه على التنقيبات الأثرية لهذا الدير الذى وجدت الرقوقه أسفله!!!
إخوانى.. أخواتى
لم أقصد فى هذا الكتاب إساءة لأهل دين يؤمنون بما لا أؤمن به؛ ولكنى تحدثت عن فترة قاربت الستمائة عام فتر فيها الوحى - لحكمة يعلمها الله - فـَضَلَّ فيها الإنسان، وحار أثناءها المؤمنون، وهوت الإنسانية فى هوة سحيقة حتى أتى رسولنا الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - فأنقذ العالم من الضياع، وعدنا فى حاجة للرجوع إلى دينه - حقاً وصدقاً - كى ننتشل العالم مرة أخرى مما يمور فيه.
كان الفضول دائماً ما يدفعنى لمحاولة معرفة خبايا اختيار الشخصيات القريبة من الحكم.
يحكى د/ جلال أمين عن د/ رفعت المحجوب قائلاً: "درّس لى رفعت المحجوب أثناء دراستى لدبلوم الدراسات العليا فى الاقتصاد، فيما يسمى "قاعة بحث"، كان المفروض فيها أن يكون الاعتماد على البحث والمناقشة أكثر من المحاضرة والامتحان، ولكنى لا أذكر أننا اجتمعنا قط لمناقشة أى شىء، ولا أذكر أنى سمعت منه رأياً ذا شأن فى هذه المشكلة الاقتصادية أو تلك. نعم كتبت له بحثاً عن "المادية الجدلية والمادية التاريخية، أقرّ موضوعه عندما عرضته عليه، ولكن لم يصدر منه أى قول يدل على أنه كلف نفسه عناء قراءته بعد انتهائى منه، والعبارة الوحيدة التى سمعتها منه فى التعليق على هذا البحث هو أن طباعته على الآلة الكاتبة لا بد ان تكون قد كلفتنى مبلغاً طائلاً".
عاجز حتى الآن عن وصف شعورى نحو أحكام المحاكمة الهزلية – والمسماة زوراً بالعسكرية..


إخوانى.. أخواتى
هل نحن فى حاجة لمزيد من الغضب؟
أم فى حاجة لمزيد من الحكمة؟
كان جدى – رحمه الله – كثيراً ما يكرر أن مصر قبل الثورة كانت أفضل حالاً من مصر بعد الثورة، وكان دائماً ما يقول أن الناس كانوا أكثر صدقاً رغم فقرهم، وأكثر أمانة رغم عوزهم.
كان هذا هو هو نفس الانطباع الذى خرجت به من سيرة الدكتور / جلال أمين الذاتية "ماذا علمتنى الحياة".
فحين تحدث عن ظروف بيته الذى نشأ فيه فيه قال: "لم ترث أمى قرشاً واحداً من أسرتها ولم يرث أبى شيئاً يذكر، ولكن كان لأبى دائماً دخل معقول من وظيفته، كمدرس أو قاض أو أستاذ فى الجامعة، بالإضافة إلى مكافآت عما ينشره من مقالات وكتب أو يشترك فيه من لجان، سمح له بشراء بيت من دور واحد فى مصر الجديدة، ثم ببناء دور آخر فوقه. 
كانت الملامح الأساسية لهذا البيت، الذى عشنا فيه طوال الثلاثينات ومعظم الأربعينات، تتكرر فصولها فى معظم بيوت أقاربى وأصدقائى ومعارفى. حجرات وشرفات واسعة، وأسقف مرتفعة (إذا ما قورنت ببيوت الطبقة الوسطى اليوم) فى منزل يندر أن يزيد ارتفاعه على ثلاثة أدوار. لم يكن هناك إذن ما يحول دون وصول الهواء أو أشعة الشمس، كما كان هناك دائماً متسع للأطفال للعب والجرى، سواء داخل البيت أو فى حديقة صغيرة حول البيت، أو فى الشارع، إذن كان من الممكن أن تمر عليهم الساعات دون ان يعكر صفوهم مرور سيارة واحدة".
كانت هذه حياة الطبقة المتوسطة كما أشار إليها كاتبنا الكبير متمثلة فى بيته، وبيت أقرانه.
كانت هناك إذن طبقة متوسطة تمثل صمام أمان للمجتمع، كانت هذه الطبقة تمثل معظم الموظفين، والحرفيين، والتجار..
وكان من بين هذه الطبقة مثقفو الأمة، وروادها فى كل الاتجاهات الفكرية، والسياسية، والاجتماعية..
وكانت هذه الطبقة تعيش عيشة كريمة تسمح لها بالإبداع، والنجاح، وحسن الإدارة..
ووجود هذه الطبقة كرمانة ميزان بين الفقراء، والأغنياء يسمح لأى مجتمع بالحياة، والنمو بصورة طبيعية، كما يسمح للمجتمع بأن يقوده فكرياً، واجتماعياً مبدعوه، ومفكروه.
كان ينتقل إلى هذه الطبقة المتوسطة كثير من الفقراء؛ بما أثبتوه من كفاءة، وما تمتعوا به من نبوغ وتفوق.
ترى أين تعيش الآن الطبقة المتوسطة (إن كانت موجودة أصلاً)؟
وترى ما حال النابهين من أمثال أحمد أمين (والد د. جلال أمين) فى زماننا الحالى؟
وفى صورة بديعة أخرى يصورها الكاتب كمقارنة بين رأس البر قبل الثورة، وبعدها يذكر: "لا بد أن كان لرأس البر سحر خاص للأطفال، فالبيوت ليست إلا عششاً مقامة على أرضيات من الخشب، والشوارع رملية غير مرصوفة فلا تسمح بمرور أى نوع من السيارات والدراجات، ومن ثم للأطفال أن يجروا ويلعبوا حول بيوتهم دون أن يخشى عليهم من شىء."
وعندما زار رأس البر مرة أخرى سنة 1957 قال: "كم كانت خيبة أملى. كانت العشش قد حل محل معظمها بيوت قبيحة مبنية بالطوب والحديد والأسمنت، وكان اكتظاظ شاطىء البحر وشاطىء النيل بالناس شديداً لدرجة كان لا بد أن تختفى معها أى مسحة من الجمال."
لم يكن هناك إذن فارق زمنى كبير بين الجمال، والقبح. كان الأمر لا يعدو سنوات تعد على الأصابع بين زيارة الطفل جلال أمين، وزيارته بعد ذلك وهو شاب؛ إلا أنها الفوضى التى بدأت تعم فى أركان هذا البلد بعد الثورة.
صحيح أن كثيراً من الفقراء المحرومين قد كانوا لا يزورون رأس البر فأصبحوا يزورونها؛ وهذا مما يحسب للثورة؛ ولكن هل كان حتماً أن يكون ذلك على حساب جمال المكان، وطبيعته!!
لم تكن مصر قبل الثورة جنة من جنان الأرض؛ بل إنها كانت مرتعاً لفساد علية القوم، وحاشية القصر الملكى؛ ولكن كان بها مقومات مجتمع حىّ.. يرفع من شأن نابهيه، ويعلى من شأن العلم.. مجتمع به حراك فكرى، وسياسى، واقتصادى، واجتماعى..
كانت بمصر وقتها مقومات تجعل منها دولة رائدة فى الشرق لو استغل ثوارها سمات هذا المجتمع الحى بعد قضائهم على بذرته الخبيثة.
ولكن جاءت الثورة، وقتلت هذا المجتمع الحى، وحولته إلى مجتمع عاطل، وجبان، ومتخاذل.. 
جاءت الثورة لتقضى على طبقة الأثرياء؛ فأنشات طبقة من الأثرياء الجدد.. أثرياء المال العام، و"الفهلوة"، والاستهلاك، وفى طريقها إلى ذلك قضت على الطبقة الوسطى، ونقلت مثقفيها، ومتعلميها إلى طبقة الفقراء..
لم يكن هذا بالطبع – وليد عقد من الزمان – ولكنه كان نتيجة طبيعية لأمراض اجتماعية نشأت فى رحم الثورة حين همشت المثقفين، وعطلت القانون، وأعلت من شأن العسكر..
وأترك للكاتب الكبير وصف بعضاً مما خلقته الثورة فى المجتمع: "كان المرء منا يخاف أن يتكلم فى السياسة فى حضور أى شخص غريب، فى سيارة تاكسى أو أمام زميل جديد فى الجامعة لم يتحقق بعد من ميوله السياسية، أو حتى أمام فراش الكلية الذى يحضر له القهوة والشاى، خشية أن يكون ممن استوظفتهم المخابرات أو المباحث العامة. أما التليفون فكنا واثقين من انه مراقب، ومن ثم كان من دواعى الحيطة عدم التفوه فى التليفون بالتعليق على أية شخصية سياسية مهمة أو إجراء مهم اتخذته الحكومة. وأما الخطابات فكان بعضها يأتى وقد تم فتحه وقراءته وأعيد لصقه بورقة كتب عليها (فتح بمعرفة الرقيب)".
سارت مصر من يومها على هذا الدرب الذى بدأته الثورة.. درب القبح، والفوضى، والعسكرة حتى أصبحت مصر 2008 كما نراها الآن..

لم أكن من المتحمسين للحملة التى تم الدعوة لها على شبكة المعلومات الدولية "الانترنت" لمقاطعة شركة موبينيل المملوكة للملياردير المصرى "نجيب ساويرس" بسبب هجومه على الحجاب، ووصفه له بأنه زى "وهَّابى"، وأنه لم يكن يوماً زياً من أزياء المصريين.لم يكن عدم تحمسى وقتها تأييداً لساويرس، أو حتى تعاطفاً معه؛ بل إن تصريحه وقتها قد أصابنى بغضب شديد؛ بل وأشعرنى أن هذا الرجل ذو أجندة خاصة، وأنه يشترك فى هذه الأجندة - إن لم يكن منفذاً لها - مع جهات أخرى قد تكون مجهولة، أو معلومة؛ ولكن لا دليل مادى عليها.
كان عدم تحمسى نابعاً وقتها من خوفى من أن تكون الطائفية هى الأرضية التى تتحرك من خلالها الدعوة؛ فأنا ما زلت أرفض فكرة البيع والشراء على أرضية الطائفية، بل أشعر أن الشراء من التاجر المسيحى كما المسلم يشعره بالأمان وسط المسلمين؛ وبالتالى يزداد ارتباطه بهذا البلد، وأهله؛ وبالتالى ابتعاده عن كره المسلمين كما يريد أعداء مصرنا الحبيبة؛ كما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان حريصاً على ارتباط أهل المدينة من غير المسلمين بالمدينة؛ لذا فإنه لم يستنكف عن رهن درعه عند يهودى قبل موته.
كنت أسمع منذ زمن - ليس بالقريب - عن أسباب للتضخم المفاجئ لشركات عائلة "ساويرس"، وعن احتكارها مجالات بعينها لا يستطيع أحد أن يقترب منها..
كنت أسمع عن ارتباط هذه الشركات ببعض الجهات الأجنبية المانحة، أو الأمنية، أو العسكرية فى مشروعاتها الداخلية فى بلادنا العربية، بل والإسلامية.. وكنت أسمع عن أن هذه الأعمال تسند بالأمر المباشر لشركات "أوراسكوم" للمقاولات، أو للاتصالات، أو للمعلومات..
كانت هذه الثقة من الجهات الأجنبية أمراً يستحق التوقف؛ ولكنه – وللأسف – كان دون دليل مادى واضح!!
وكانت المفاجأة فى الأسبوع الماضى حين غضب الملياردير "نجيب ساويرس" غضباً شديداً من مقالة نشرت فى جريدة "المصرى اليوم" للكاتب "سيد على" وصف فيها المدعو "محمد دحلان" بأنه على ارتباط بالمخابرات الأمريكية وأجندتها الخاصة فى المنطقة، وداعياً إلى عدم استقباله، وأمثاله فى مصر؛ لأن حذاء أى مسئول مصرى – على حد قول سيد على – أشرف من قامة دحلان، وأمثاله..

إذن لقد انكشف المستور الذى ظل الملياردير "ساويرس" مُخفياً له طوال الفترة الماضية..
لقد كشف الرجل فى لحظة غضب عن صداقته بالمدعو "محمد دحلان" رجل الجهات الأجنبية التى تسند أعمالها بالأمر المباشر إلى شركاته فى المنطقة..
"ساويرس"، و"دحلان" إذن وجهان لعملة واحدة..
الاقتصاد الاستهلاكى المُوجَّه، وضرب المقاومة اجتمعا فى بوتقة واحدة، وتصادقا على أرضية واحدة؛ بل وينفذان أجندة واحدة..
تسرع ساويرس ونزع عن نفسه جزءً من ورقة التوت التى يستتر بها؛ فشاهدناه بصفات "الدحلانيين" الوطنيين!!!
كان ساويرس – ولا يزال – رجلاً غامضاَ بأمواله، وأعماله الموجودة فى مصر، والعراق، ونيجيريا، وبنجلاديش وغيرها..
لم نسمع عنه أبداً فى أعمال خيرية فى مصر – رغم سماعنا عن تبرعاته السرية الضخمة لطائفة بعينها فى مصر.
لم نسمع عنه – رغم ملياراته العديدة – متبرعاً لأهل فلسطين، ولم نسمع عنه متبرعاً لضحايا العبارة، ولا حرقى القطارات..
لم نسمع عنه بانياً أو متبرعاً لبناء مستشفى، أو مدرسة فى مصر..
لقد اعترف دحلان فى لحظة تجلٍ مع الإعلامى "عمرو أديب" بأنه كان يتلقى راتباً شهرياً وهو فى تونس قدره "خمسة آلاف دولار" تقديراً لتضحياته، ووطنيته، وأن هذه الخمسة آلاف دولار الشهرية هى التى كونت ثروته التى لا يعلم أحد قدرها حتى الآن.
ترى هل سيعترف صديقه "ساويرس" يوماً بالكيفية التى بدأ بها أعماله، ومشروعاته..
فلنترك للتاريخ الإجابة لنا عن هذا السؤال؛ لأن "ساويرس" لن يجيب عنه أبداً فى الأمد المنظور..
وحتى ذلك الحين؛ فأنا أرفض أن أساهم فى تضخم ثروة "دحلانى" آخر فى مصر.
للعبة "الكاراتيه" في ساحة الجامعة، وأمام كاميرات وسائل الإعلام ضمن اعتصام بدؤوه في المدينة الجامعية، وتواصل داخل أسوار الحرم الجامعي..
