الأربعاء، ٢٩ يونيو ٢٠١١

أحزاب الواقع، وأحزاب الخيال

cyber_what_vrكانت السياسة في مصر قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير عملية افتراضية (virtual) لا وجود لها على أرض الواقع إلا من خلال الافتراضات التي توهمها المشاركون فيها في مخيلتهم، وعلى أرضهم الخاصة البعيدة عن دنيا الناس، وعن حياتهم، وتطلعاتهم، وواقعهم المعاش.

فالنظام الحاكم افترض – غشاً وتضليلاً – أن عملية سياسية تجري في ربوع البلاد؛ فتحدث عن ملايين الأعضاء، وعن "من أجلك أنت"، وعن "أزهى عصور الديمقراطية"، وعن "التغيير" – قطعاً إلى الأسوأ.

وأحزاب المعارضة الرسمية افترضت – تواطئاً وتدليساً – أن لها برامج سياسية، وأن لها شعبية، وأنها معبرة عن جموع المواطنين، وأنها مضطهدة من النظام الحاكم بتزوير الانتخابات مما يمنعها من تطبيق برامجها المفترضة في أرض الخيال، وفي أحلام المتوهمين!

والإسلاميون – المعارضة غير الرسمية – يفترضون أنهم يدافعون عن هوية الأمة، وعن مشروعها الحضاري مقابل تيار العلمنة، والتغريب، وأذناب أمريكا، في معركة لا ناقة للناس فيها ولا جمل!

والنخبة – الإعلامية والثقافية – تفترض أنها في معركة حماية الدولة المصرية من الوهابيين الظلاميين أتباع إيران، والمشروع الرجعي!

و"ليلى" التي يدعي الجميع وصلاً بها كانت مشغولة بلقمة عيش، وشربة ماء، وكسوة عيال، وسقف وأربعة جدران تحفظ بها نفسها وأولادها من طمع الطامعين، وغدر الغادرين.

2large_16_3_2011_9_9تُرى وقد استدعى القدر "ليلى" لتختار بنفسها حقيقة – لا افتراضاً - من يوفر لها تلك الحدود الدنيا من مطالب الحياة مع أملٍ في أحلام أعرض لحياة مستقبلية كريمة.. فمن تختار من بين هؤلاء؟ وأيهم ينجح في جذب قلبها، وعقلها؟

هل تختار من سرقها، وقتل أحلامها من الفلول؟!!

أم تفوض من يرفع شعار الهوية والمرجعية والقضايا الكبرى من الإسلاميين - رغم أنها لم تتنازل عن تلك الهوية يوماً؟!!

أم تسلم نفسها لمن تواطأ قبل مع ناهبيها طمعاً في صورة، أو في دعم، أو حتى في وجاهة حزبية؟!!

أم تحمي نفسها من عدو خيالي وهّابي إيراني شرير بركونها إلى نخبة الياقات البيضاء؟!!

أم تتجه إلى أصحاب المال والتمويل، والنفوذ، والعلاقات الخارجية طمعاً في "قطعة شيكولاتة"، أو "بواقي مائدة" ترمى في آخر عشاء عمل على شرف الوطن؟

سؤال بسيط على "ليلى"، لكنه عسير – وللأسف – على من يخطبون ودها..

فـ "ليلى" لم تنقد يوماً – حين تنتزع حق الاختيار – إلا لمن انشغل بها، وبقضاياها، وأمنها.

ذكاء "ليلى"، وفطنتها، وحضارتها أوعى من أن يخدعها كاذب، أو لص، أو قاتل، أو محتال.

"ليلى" لا يشغلها معارك النخبة الوهمية – حزبية كانت أو إعلامية – حول مدنية الدولة؛ لأنها بطبيعتها، وتاريخها، وسماحتها كانت مدنية، وستظل مدنية بعيداً عن ظلم عسكر، أو تجبر طاغية.

هوية "ليلى" يعرفها كل من جاورها، واقترب منها؛ فلا حاجة بها لشعارات تثبتها، أو معارك تؤكدها.

لن تنصرف "ليلى" إلى من يحسبون حساباتهم الخاصة – حتى ولو كانت صادقة – ما داموا بعيدين عنها، وعن آلامها، وعن أحلام أولادها.

تحتاج "ليلى" إلى من يسمع إليها، ويقدرها..

وتحتاج إلى من تشكو إليه حالها، ويأخذ بيدها..

وتحتاج من يشاركها اللقمة، والسكنى..

وتحتاج من يهتم بها حباً فيها، لا لها..

تحب المتواضع العطوف.. وباذل العَرَق حارّ الدموع..

وتلفظ المُتعالي المغرور.. والواهم المشغول..

تُرى أي أحزاب الواقع الجديد مهموم بما يهم مصر الجديدة؟ وأيها منصرف إلى العالم الافتراضي لمصر القديمة؟!

تُرى أي الأحزاب قادر على تجاوز أوهام الماضي، والتعامل مع وقائع الحاضر، والتخطيط لأحلام المستقبل بعيداً عن شعارات "الأيديولوجيا" الحالمة، وعن حسابات الماضي الضيقة؟

لو أخلص حزب في فعل ذلك لنال حب مصر، وأهلها، ولبارك الله عمله، وأيده..

إخواني.. أخواتي

كان "أردوغان" بائع سميط انشغل بآلام "تركيا"، ونظافتها، وصرفها الصحي؛ فقادها إلى مصاف أكبر 20 اقتصاد عالمي، وجعلها قوة إقليمية كبرى في محيطها الجغرافي.. فقد نجح "أردوغان"؛ لأنه لم يكن يوماً خومينياً يعمل على تصدير ثورة، أو رفع شعارات!!

وكان "لولا دي سيلفا" إسكافياً "جزمجياً" يجلس بين أرجل الناس، ويسمع إليهم؛ فكانت "البرازيل" عاشر أقوى اقتصاد في العالم.. فقد نجح "لولا"؛ لأنه لم يكن منشغلاً بدفاع وهمي عن ليبرالية، أو اشتراكية، لكنه كان منشغلاً بالدفاع عن قضايا الفقراء، والمحتاجين!!

هدانا الله جميعاً إلى صلاح البلاد والعباد، ورزقنا العمل والإخلاص.. اللهم آمين.

الجمعة، ٢٧ مايو ٢٠١١

محاولة للفهم

flight-recorderستبقى تفاصيل وكواليس الأيام الأخيرة لحكم الرئيس السابق لغزاً سيكشفه التاريخ يوماً.

ولن يستطيع أحد أن يفتح الصندوق الأسود لهذه العملية إلا بإذن من كانوا في كابينة قيادة الطائرة الرئاسية السابقة قبل تفجيرها، وهبوط القادة الجدد منها قبل تحطمها مباشرة.

كما أن قيادة الدول المستقرة ليست بالأمر الهين، فما بالك بقيادة دولة انهارت دعائمها، وتسلم واجهة قيادتها فجأة مجموعة من الضباط جاؤوا من معسكراتهم التي يأمرون فيها وينهوون بلا ضجيج، ولا طنين إلى ساحة سيولة سياسية يصرخ فيها الجميع ليسمع كل واحد فيهم صوته وليثبت للجميع أنه قادر على الصراخ والاعتراض، وليبحث له عن موطئ قدم تحت شمس القيادة الجديدة، وآخرون اكتفوا بما نالوه من مكاسب تعطيهم أرضاً جديدة لا يعلمون قدر رخاوتها، وعامة متخبطون بين هؤلاء وأولئك.

إذن لدينا:

صندوق أسود،

وفوضى،

وواجهة حكم قليلة الخبرة،

وساحة سياسية كرنفالية لا عقل لها،

ومجموعة أخرى منشغلة بمكاسب آنية تفتح لهم أرضاً جديدة تعوضهم عن ظلم قد فات، وتغنيهم عن النظر فيما هو آت،

وعامة تائهون.

وهناك من بعيد من يملكون المال، والسلاح، والخيوط، والرجال، والملفات الحساسة، والخبرات الجاهزة؛ فيضغطون تارة، ويغوون أخرى.. في إحدى اليدين سوط يلهب الظهر، وفي الأخرى جزرة تخاطب غريزة البقاء.

مشهد يثير من الضباب بأكثر ما يثير من الشفافية..jigsaw_puzzle

صورة كبيرة مفككة تحتاج لماهر يفك طلاسمها، ويوصل ما انقطع منها..

ونحاول أن نلعب مع هذه الصورة لعبة الاحتمالات:

1- قد تكون الصورة بسيطة؛ والزمن البسيط القادم كفيل بإبراز ما خفي منها؛ فواجهة الحكم صادقة في أقوالها، وبريئة في أفعالها، ولكنها تتخبط لجهلها، وتعند أحياناً لتركيبتها، وتتجاهل أحياناً أخرى لأنها ملت الكلام، والاعتراض، وتخطئ أحياناً لأنها تعتمد على من لم يكونوا أهلاً للثقة. ولكننا متعجلون، ومتسرعون نثير غبار معارك لا محل لها، ونتهم نوايا من يتحملون ضغوطاً من عدو ينتظر الزلة، ويزيد عمق الحفرة.

2- وقد تكون واجهة الحكم جزءاً مزيفاً من الصورة يخفي خلفه من يدبر، ويرتب، ويخطط؛ فالفوضى حينها متعمدة، والضبابية ستار، والصارخون وقود يستغل دخانه لكسر نموذج يخشى من تكونه على سرطان موجود في الجوار لا يستقر له حال إلا بفوضى تأكل الأخضر واليابس.

3- وقد تكون الصورة مركبة تحمل الوجهين الأولين معاً.. بدأت بنوايا حسنة من واجهة الحكم، ولكنها نظراً للجهل الحادث منها، وللصراخ الصادر عنا، وللضغوط الواقعة عليها لجأت لخبرة الشيطان، وطلبت مال المرابي، واستعانت بقوة العدو؛ ونحن لا نتوقف عن طعنها من الظهر بجهل بعض، ومصالح آخر، وغفلة بعض، وعمالة بعض آخر.

ترى أي صورة هي الأقرب للواقع؟

وهل لدينا الرغبة والقدرة على تركيب صورة غالية علينا، وإن ازدادت طلاسمها؟

أزعم أننا على خطر في الحالات الثلاثة، وأن كل حالة تحمل من بذور الخير بمثل ما تحمل من بذور الشر.

وأزعم أيضاً أننا نملك من الرغبة والقدرة ما نستطيع أن نتعامل به مع كل الاحتمالات.

لكننا وللأسف منقسمون بين:

  • صارخين لا يكفون عن الزعيق بحثاً عن كسر خبز قد يرمى بين الفينة والأخرى لنفرح به، ونهلل له، وننشغل به عما سواه.
  • وبين منتشين بحلم عاشوا به في السابق ويعيشون فيه في الحاضر؛ وهم لا يعلمون أن الأحلام تمر مر السحاب؛ ولكنها لا تشكل إلا لحظات من عمر الزمن، والمتشبث بحلمه مشغول عن واقعه، ولنا في خمسينيات القرن الماضي عبرة لمن يريد أن يعتبر.

أليس فينا من يقول لنا:

  • توقفوا قليلاً، وانتبهوا لشر يراد بكم.
  • ارفقوا بعامتكم فقد أصبحوا في حاجة إلى لقمة عيش تعز عليهم، وأنتم عنهم منشغلون.
  • صراخكم قد يكون فتنة دبرت، وقد تكون شراكاً نصبت، وقد تكون مطية لراكب لا تعرفونه.
  • صمتكم وانشغالكم بمشاريعكم الخاصة أيضاً قد يكون فتنة، وقد يكون أيضاً طعماً لضمان صمت مراد.
  • اعملوا، وانهضوا فالخير قادم بوحدتكم لا بصراخكم، وانشغالكم بأحلامكم..
  • …

إخواني.. أخواتي

ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.

الاثنين، ١٤ مارس ٢٠١١

الشعب يريد إسقاط الوصاية

ظل الشعب المصري مبتلى دائماً بمن يعطون لأنفسهم حق الوصاية عليه..

حدث هذا بعد ثورة 1919م من الوفديين الذين أعطوا لأنفسهم حق الوصاية على شعب طلب الاستقلال التام مقابل الموت الزؤام؛ فتفاوضوا نيابة عنه على ديمقراطية شكلية مقابل بقاء الاحتلال.

وتكرر هذا مع الضباط الأحرار الذين حملهم الشعب على أعناقه بعد تفكيكهم لقلاع الملكية الفاسدة البغيضة؛ ففرضوا الوصاية عليه، وسمحوا لأنفسهم باختيار مسار الحياة الذي حددوه للمصريين، كما سمحوا لأنفسهم بأن يقسموا المصريين بين موال للثورة له الحق في الحياة، وبين عدو لها ليس له حق في استنشاق هوائها.

وكامتداد لثورة يوليو، استمرت الوصاية؛ ففرض كل رئيس على المصريين أن يعيشوا بالطريقة التي يحددها هو حال حياته، وأن يحدد لهم من يحكمهم بعد مماته.

وكما كانت هناك وصاية من العسكر أو من السياسيين، كانت وصاية المثقفين والإعلاميين القريبين من السلطة أكبر؛ فهم وإن كانوا لا يمسكون بزمام السلطة إلا أنهم يمسكون بالقلم، فهم – كما يظنون – درة العقد، ورمز العلم، والأدب؛ فقد قرؤوا ما لم يقرءه الشعب، وفهموا ما لم يفهمه العامة، وتواصلوا مع المدنية الحديثة؛ فباتوا بما يقرؤون ويكتبون ويفهمون أولى بالوصاية على شعب جاهل – من وجهة نظرهم – حتى ولوا نال كثير من أبنائه درجات علمية.

وكانت حجة جميع الأوصياء أن الشعب المصري غير مؤهل لحكم نفسه، أو أن قيم الديمقراطية وثقافتها، وقيم الحرية، وغايتها لم تتأصل بعد في نفوس المصريين، فاتفق الجميع ضمناً على عدم أهلية هذا الشعب في اختيار من يحكمه، أو حتى اختيار من يمثله في رقابة من يحكمه؛ فالشعب في نظرهم: جاهل ساذج، يخدع بالدين تارة، وبالمال تارة، وبالعصبية القبلية أو العائلية تارة أخرى.

وعندما جاءت ثورة 25 يناير لتقذف بمجموعة من الأوصياء بعيداً عن طريق الشعب المصري؛ ليستعيد الشعب زمام نفسه، وليتسلم الراية التي سلبت منه دهوراً عدة؛ فإذا بمن كانوا بالأمس يعارضون فرض الوصاية، ويتهمون العهد البائد باغتصاب السلطة من صاحبها الأصيل (الشعب).. إذا بهم يكررون نفس الكلمات، ونفس الترنيمات التي رددها الأوصياء السابقون، وإن كانت في صورة أكثر تنميقاً، وأبلغ تعبيراً؛ ولكن تبقى الغاية واحدة.

فالأوصياء الجدد يرون أن الشعب – نظراً لجهله ولقصوره – سيعيد إلى الحكم من انتفض عليه، وسيسلم أمره مرة أخرى لقاء ورقة من الجنيهات، أو نظير ولاء لعصبية من العصبيات، أو تأثراً بشعار ديني يدغدغ مشاعره – وهو الساذج الغافل!!

ولحرص هؤلاء الأوصياء على مسار الديمقراطية (!)، وخوفاً عليها ممن سيستغلونها، ويخطفونها (!)؛ فإنهم يدعون العسكر إلى البقاء في مواقعهم، أو تسليم الراية لعدد منهم (الأوصياء) حتى يحافظوا على الديمقراطية، وحتى يضمنوا ألا يسلم الشعب زمام حكمه بعيداً عمن يختاره الأوصياء ومن عاونهم.

وبالطبع يقف كالعادة مع الأوصياء الجدد من درجوا على تسمية أنفسهم بالمثقفين الواعين الفاهمين لما يجهله الدهماء من العامة، فكما كانوا قبلاً مع سلطة سقطت، فإنهم الآن يدافعون عن مكان لهم في ثنايا سلطة تريد أن تتشكل؛ ليبقوا دائماً في الصدارة يحللون، ويكتبون، ويطلون على الشاشات، ويملؤون الجيوب بما خف وزنه، وعلت قيمته.

والغريب أن هؤلاء الأوصياء الجدد وتابعيهم لم يكونوا يوماً من ذوي الشعبية الجارفة، فكبيرهم عندما دعا إلى مطالب سبعة اتفق عليها الأولون والآخرون لم يوقع له على هذه المطالب على موقعه الإليكتروني الذي أنشأه أتباعه سوى ثمانين ألفاً فقط، بينما اقترب العدد من المليون على موقع آخر دعا إليه بعض ممن قاوموا الوصاية السابقة بين الناس ووسطهم، وليس من شاشات التليفزيون؛ أو من خلال الحوارات الصحفية؛ وهذا قد يفسرهم حرصهم الشديد على فرض وصاية جديدة تأتي بهم وحدهم دون غيرهم.

إن أوصياء الإعلام الذين يدفعون دفعاً نحو فرض وصاية جديدة بأقطاب جديدة، هم أنفسهم من كانوا بالأمس القريب يتناولون ما لذ وطاب على موائد أركان نظام انهارت دعائمه - حتى وإن بدوا في صورة معارضة، وكانوا وقت الثورة يمسكون العصا من منتصفها؛ لأنهم بحكم المهنة يحاولون معرفة اتجاه الريح، فيميلون معها حتى لا تغرق المركب بهم، أو يسقطون منها إلى الأبد، فقد كانت كبيرتهم تهاجم قناة الجزيرة بضراوة وقت الثورة وتتهمها في مهنيتها – لأنها تنقل الحقيقة التي لا يريدون للناس رؤيتها إلا من زاوية مصالحهم، ولكنها في ذات الوقت تترك مقالاً أو اثنين لمن يهاجمون النظام بضراوة لعل الريح تذهب بالسفينة إلى اتجاه غير الذي كانت فيه، كما أن هذه الصحيفة المصرية التي تشن حملة دعائية ضارية حالياً في اتجاه واحد ضد التعديلات الدستورية هي نفسها من ادعت – كذباً – بعد خطاب العاطفة الثاني للرئيس السابق أن الإخوان منعوا الناس من الخروج من الميدان، وأنهم يعنفون كل من طرح هذه الفكرة في الميدان؛ لأن الرياح بدت وقتها في اتجاه النظام السابق.

أدرك تماماً أن بعضاً ممن يدافعون عن سيناريو إطالة الفترة الانتقالية، وتأجيل الانتخابات البرلمانية، وإبقاء الجيش في السلطة، أو تشكيل مجلس رئاسة (وصاية) جديد إنما يفعلون ذلك حرصاً على بلدهم – من وجهة نظرهم التي يؤمنون بها؛ لذا فإني أذكرهم بأن الشعب العظيم الذي علّم العالم على مر الزمن، وقام بهذه الثورة الفارقة في تاريخه هو الوحيد المنوط به اختيار من يحكمه دون صنع "ديكتاتور" جديد حتى ولو بدا في صورة ديمقراطية، وأن التعجيل في ذلك هو الضمانة الوحيدة لعودة السلطة لأصحابها الأصليين، كما أني أدعو هؤلاء الخائفين على بلدهم والساعين لنهضته أن يثقوا في شعبهم الذي لم يأمن له يوماً حاكم ظالم؛ فزورت كل الانتخابات السابقة رغم الأموال، والعصبيات؛ لأنهم (الحكام السابقين) كانوا يدركون تماماً أن الشعب سيلفظهم في أية انتخابات سليمة؛ فلا معنى إذن للخوف البادي على وجوهكم من عودة هؤلاء الطواغيت مرة أخرى ما دام الأمر سيظل بيد الشعب دائماً وأبداً بإذن الله.

إخواني.. أخواتي

أدعوا الناس جميعاً إلى التنبه أن نذر وصاية جديدة تفرض نفسها على المصريين بادية في التشكل، وأن من يدفعون نحو هذه الوصاية هم أناس يريدون أن يظلوا في الصدارة دائماً يساندهم كثير ممن لا يريدون الخير لهذا البلد، ولا يريدون له أن يحكم نفسه بنفسه، أو أن يختار الطريقة، والعقد الاجتماعي الذي يحكم به، وأظن أن السبيل الوحيد لذلك هو التعجيل بتسليم السلطة للشعب.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

الجمعة، ١١ مارس ٢٠١١

إطالة الفترة الانتقالية لمصلحة من؟!

72652649-tahrir-square

غير قادر حتى الآن على استيعاب مبررات طلب إطالة المرحلة الانتقالية، والإلحاح عليها بهذا الشكل الغريب من بعض السياسيين، والإعلاميين، والكتاب..

لا أستوعب فكرة الإلحاح على إرجاء وجود مؤسسة تشريعية منتخبة تراقب عملية انتقال مؤسسية لدستور جديد..

ماذا تعني فكرة الإطالة؟ وماذا يراد من الإلحاح على هذا الإرجاء؟!

هل نريد أن يظل الجيش متورطاً في هذا الكم من التفاصيل اليومية لإدارة شئون البلاد، وألا يرجع لثكناته للقيام بمهمته الأساسية؟

هل نريد أن تطول فترة عدم الاستقرار السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي؟

ولأن الشيطان يكمن في التفاصيل، ولأنني سأفترض – مضطراً – البراءة في أصحاب هذا الاقتراح العجيب؛ فسأحاول مناقشة هذه الفكرة، وتبيان وجهة نظري فيها..

فالاقتراحات المقدمة من أصحاب هذا الاتجاه هي:

1- إقامة مجلس رئاسي مشترك من شخصيات مدنية وعسكرية يعمل من خلال إعلان دستوري مؤقت لإدارة الفترة الانتقالية.

2- عمل دستور جديد للبلاد من خلال لجنة معينة من قبل المجلس الرئاسي، أو من خلال جمعية تأسيسية منتخبة (هناك تباين في الآراء حول هذه النقطة).

3- عمل انتخابات رئاسية وفقاً للدستور الجديد.

4- يتولى الرئيس الجديد أمور البلاد، ويدعو لانتخابات تشريعية وفقاً للدستور الجديد.

5- تستمر هذه الفترة الانتقالية 18 شهراً (أو أكثر)، على أن تتم الانتخابات الرئاسية خلال فترة تتراوح من 6 أشهر إلى 12 شهراً.

أما المبررات المقدمة لقبول هذه الاقتراحات فهي:

1- سقوط الدستور كاملاً؛ فلا شرعية لدستور أسقطته الثورة.

2- إعطاء الفرصة لتشكل قوى سياسية جديدة معبرة عن الثورة تستطيع الانتشار في الشارع المصري خوفاً من عودة فلول الحزب الوطني إلى الواجهة السياسية من خلال المال، أو سيطرة الإخوان على البرلمان لقدراتهم التنظيمية العالية؛ مما يعيدنا إلى المربع رقم صفر مرة أخرى.

وقد تبدو الاقتراحات ومبرراتها من الناحية الشكلية مقبولة، بل ومنطقية للوهلة الأولى؛ ولذا فلنناقشها بتمعن لنحاول أن نظهر ما بها من عوار، أو من خيال، أو أغراض قد تخفى على الكثيرين.

وأوضح أفكاري حول هذه النقاط كالتالي:

1- المجلس الرئاسي:

  • على أي أساس سيتم اختيار أعضائه؟ ومن سيختارهم؟ وهل سيحدث عليهم إجماع وطني (وهي كلمة خيالية في العمل السياسي)؟
  • هل سيحافظ المجلس على التوازن الطائفي (كما حدث في العراق بعد الاحتلال الأمريكي)؟ أم على التوازن النوعي (رجال ونساء)؟ أم على التوازن السياسي؟
  • أي شرعية ستحصن قرارات المجلس؟ هل شرعية الثورة (التي لم تنتخبهم)؟ أم شرعية الجيش (الذي يراد له العودة إلى الثكنات)؟ أم القوة الأمنية مرة أخرى؟

2- الدستور الجديد:

  • الدساتير توضع وفقاً للتوجهات، والأفكار السائدة، والقوى المؤثرة في عموم الشارع الذي يرتضي الدستور؛ فأين هذه القوى؟ ومن يحددها؟ وعلى أي أساس ستحدد؟
  • تعيين لجنة لوضع الدستور سيثير من المشاكل، وعدم التوافق على أشخاصه ومدى تعبيرهم عن قوى الشارع الحقيقية (غير المعرفة وفقاً لانتخابات) أكثر مما سيثار حول المواد وما تحتويه من نقاط، وألفاظ؛ مما يضيع الجهود في دائرة مفرغة من الاعتراضات، ومحاولات إثبات الوجود من قوى همشت في التمثيل، أو من قوى خائفة من توجهات اللجنة المعينة.
  • الانتخاب المباشر لجمعية تأسيسية سينسف مبرر الانتظار لحين تشكل قوى سياسية جديدة (!) كما أنه سيثير سؤالاً عن كيفية اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية بالانتخاب المباشر: فهل سننتخب أعضاء الجمعية مرة واحدة؟ فيختار الناخب مثلاً كل أعضاء الجمعية المائة أو الأكثر أو الأقل مرة واحدة (وهو شيء مستحيل عملياً)، أم سيتم الانتخاب جغرافياً؟ فيختار الناخب ممثلاً لمحافظته أو لدائرته، مما يحول الجمعية من جمعية تأسيسية فنية إلى جمعية سياسية قد تأتي أيضاً بأصحاب المال، أو القدرة على التنظيم مع خطورة ذلك في حالة اختيار من يشكلون دستوراً جديداً دائماً للدولة العصرية المرغوبة.

3- انتخابات رئاسية أولاً:

  • هل يعقل أن توضع كل السلطات والآمال في جعبة شخص واحد (حتى ولو كان منتخباً) دون وجود أية سلطة تشريعية ورقابية منتخبة؟ فيستفرد بالسلطة لحين إجراء انتخابات تشريعية يراد لها أن تؤجل عاماً ونصف العام، أو عاماً بعد انتخاب الرئيس!!!!
  • هل سيختفي "بعبع" القوى المالية لرجال الأعمال (فلول الحزب الوطني)، أو "بعبع" القوى المنظمة في انتخابات الرئاسة؟ أم أن أثرهما سيكون أكثر في انتخابات تشمل البلاد عرضاً وطولاً، وفي انتخابات يزداد فيها تأثير الإعلام والقدرة على الإنفاق، من أية انتخابات تمثيلية أخرى!!!

4- انتخابات تشريعية بعد عام ونصف:

  • من يضمن كفاية المدة المقترحة لتشكل هذه القوى السياسية؟ وإذا لم تكن كافية وبقي الإخوان على قوة تنظيمهم، ولم يختف أصحاب المال عن الساحة؛ فما العمل إذن؟ هل يؤجل الرئيس المنفرد بالسلطة الانتخابات خشية من سرقة الثورة؟ أم يمنع حينها هؤلاء وأولئك من الانتخابات خوفاً من انحراف المسار الديمقراطي!!
  • أين تتشكل هذه القوى؟ هل ستتشكل بالبرامج التليفزيونية و"التوك شو"، أم بالاعتصامات التحريرية؟ أم بالقدرات المالية والتنظيمية التي ستبرز من يستطيع الدفع الأكثر، والتنظيم الأعلى، ونعود حينها للصراخ من جديد أن القوى الجديدة اختطفت من أصحاب المال والتنظيم!!!
  • أليس هذا المبرر اتهاماً صريحاً للشعب المصري بعدم أهليته وجاهزيته لاختيار من ينوب عنه؟ وهو نفس مبرر عمر سليمان وأحمد نظيف سابقاً من غياب ثقافة الديمقراطية عن المجتمع المصري مما استدعى تزوير الانتخابات خوفاً على سرقة الديمقراطية!!!!
  • الانتخابات هي الآلية الوحيدة لإفراز قوى حية ترتبط بالمجتمع، وتلتحم به؛ لذا فإن الانتخابات الأولى ستشكل قطعاً قوى جديدة ستتعلم من أخطائها، وتعيد ترتيب أوراقها في أي انتخابات لاحقة؛ مما يفرز قوى طبيعية تختبر من خلال الأفعال لا الأقوال والخطب العصماء.

إن هذه النقاط وما تحتويها من أسباب لا تدع عندي مجالاً للشك في أن الطريق السليم لنجاح الثورة، وإقامة دولة ديمقراطية عصرية معبرة عن قوى المجتمع لا يكتمل إلا بالسير قدماً وبسرعة في:

1- انتقال سريع للسلطة من الجيش إلى مؤسسات منتخبة (برلمانية ورئاسية).

2- اعتماد مرجعية الشعب فقط في اختيار ممثليه وحكامه دون تفويض لأحد.

3- تشكيل دستور جديد معبر عن الاتجاه الغالب والقوى المؤثرة في المجتمع من خلال فرز انتخابي لهذه القوى والأفكار ومدى تواجدها في الشارع.

4- الثقة التامة في قدرة الشعب المصري العظيم الذي أزاح نظاماً "ديكتاتورياً" فاسداً على انتخاب من يعبر عنه، ويمثل طموحاته، والثقة أيضاً في قدرته على الإطاحة بمن لا يعبر عن هذه الطوحات، أو يؤدي هذه الأمانة.

لذا فإنني أدعو الشعب المصري إلى الموافقة على التعديلات الدستورية المقترحة كمرحلة انتقالية تؤسس لمرجعية شعبية قادرة على بناء مصر الحديثة.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

الأحد، ١٢ ديسمبر ٢٠١٠

كم "حُباباً" نحتاج

قد نعرف جميعاً الصحابي “الحباب بن المنذر” وما فعله يوم بدر حين أشار على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بتغيير المكان الذي اختاره كمنزل للمسلمين في ساحة القتال..

قد نعرف الموقف جميعاً، ونـُطنب في الحديث عنه، وعن دلالاته، ودروسه العظيمة..

ولكن..

كم مرة قمنا فيها بدور “الحباب بن المنذر”؟!

كم مرة شغلنا فيها أنفسنا بمحاولة اتخاذ رأي مسبق لرأي من يقودون المسير؟!

كم مرة حاولنا فيها التحليل المستقل، وإعمال العقل، واستغلال الخبرات لتصحيح قرار شابه الخطأ؟!

لم يكن “الحباب” من كبار الصحابة، ولم يكن من أهل الشورى؛ لأنه فوجئ بالمنزل الذي تم اختياره؛ فلم يمنعه ذلك من التعقيب على قرار الشورى الذي يرأس مجلسه نبي لا ينطق عن الهوى!

لم يقل “الحباب” ذلك سراً، أو في الخفاء خوفاً على اهتزاز ثقة الجند في قادتهم؛ وإلا ما دُوِّن موقفه في كتب السِّيـَر..

كان “الحباب” خبيراً بالمكان، وبالمعارك؛ فشجعه ذلك على الحديث، فتم الاستماع إليه، والأخذ برأيه؛ لأن الشورى لا يتساوى فيها أصحاب الخبرة مع فاقديها وإن علت منزلتهم..

كان “الحباب” شجاعاً حين طالب بتغيير المكان، والوقت وقت تنفيذ لا وقت تخطيط؛ لأنه يعلم صواب رأيه، كما أنه لم يخش اتهاماً بالتثبيط، أو بخلخلة الصف!

فعل “الحباب” ذلك لأن القائد كان “محمداً”، وأهل الشورى كانوا “أبا بكر وعمر وعلياً”..

هل لو وجدنا “حباباً” أو أكثر بأخلاقه، وأدبه، سنجد من يقتدي بقادته “محمد” وصحبه؟!!

لقد ربينا جنداً لا “حباب” فيهم؛ لأنهم اعتادوا انتظار رأي القادة حتى يؤيدوه، ويدافعوا عنه، بل ويهاجموا من يخالفه؛ لأنه فقط صادر عن القادة المُضحِين!!

كما ربينا قادة لا يسمعون “حباباً”؛ لأن الشورى لم تات بذلك الـ “حباب”..

وإن افتقدنا “حباباً” قبل الحرب؛ فهل من “حباب” بعدها؟

وهل كانت شورانا التي لم تسكت “حباباً” من قبل سليمة حالياً؟

وهل الشورى التي يسبقها توجيه وتأثير معنوي نحو رأي واحد سليمة حقاً؟

وهل الشورى التي تسمح لأصحاب الرأي المٌوجَّه باستخدام آيات قرآنية تؤيد حتمية اتباع موقفهم، وتستخدم آيات أخرى تصف أصحاب الرأي الآخر بأنهم يدعون إلى التولي يوم الزحف، شورى سليمة؟

وهل الشورى التي لا تعطي لأصحاب الرأيين المتعارضين نفس المساحة أمام أصحاب القرار سليمة فعلاً؟

وهل الشورى التي تستدعي نفس أهل الثقة في السياسة، والدعوة، والاقتصاد، والاجتماع، وغيرها دونما خبرة عملية فيما يدلون برأيهم فيه سليمة حقاً؟

وهل الشورى الانتقائية التي تتسع تارة، وتضيق أخرى سليمة فعلاً؟

إخواني.. أخواتي..

إننا حين نلوم القادة على عدم اقتدائهم بمحمد – صلى الله عليه وسلم - وصحبه؛ فإننا نلوم أنفسنا على عدم اقتدائنا بـ “الحباب” ومن ساروا على دربه..

الاثنين، ٢٥ أكتوبر ٢٠١٠

الأهداف الكبرى

Goals

لكل واحد منا أهدافه الكبرى التي يحلم بتحقيقها على المستوى الشخصي أو على المستوى العام..

ولكي تتحقق تلك الأهداف الكبرى (الاستراتيجية) لا بد لها من أهداف مرحلية تمهد لها الطريق، وتقرب إليها البعيد، وتذلل منها العسير.

وينبغي أن تكون الأهداف المرحلية واقعية، ومرنة كما ينبغي لها أن تكون محددة بوقت، وقابلة للتطبيق بعكس الأهداف الكبرى التي هي أقرب للأحلام منها للواقع؛ ونادراً ما ترتبط بوقت؛ لذا فإن الأهداف المرحلية هي الأكثر أثراً، والأكثر جهداً، والأكثر إنتاجاً.

وكما يندر من البشر من يضعون لأنفسهم أهدافاً كبرى، فإنه يندر من ذوي الأهداف الكبرى من يربطها بأهداف مرحلية، وكذلك يندر من هؤلاء من لا تشغله أحلامه (أهدافه الكبرى) عن واقعه (أهدافه المرحلية).

وما ينطبق على الأفراد، ينطبق أيضاً على الأمم والجماعات..

فالأمم والجماعات الحية تتفق على أهداف كبرى (المشروع القومي مثلاً) تحتاج لتحقيقها أهدافاً مرحلية واقعية تتسم بالمرونة وقابلية التطبيق..

ويفشل من هؤلاء، وأولئك من يعيش الحلم (الهدف الكبير) بكل كيانه، وأحاسيسه؛ فينسى الواقع وتعقيداته، ويتصلب فيما يحتاج المرونة، ويحاول تطبيق ما لا تتيحه الظروف، ويتشدد فيما يحتاج التيسير، وينشغل بالمرجوح عن الراجح، ويخلط الوسيلة بالهدف..

وغالباً ما يشغل الأعداء ذوي الأهداف – دون شعور منهم – بالقضايا الكبرى (الأهداف الكبرى)؛ ليغفلوهم عن التفاصيل والمراحل (الأهداف المرحلية)؛ فيستغرقهم الجهد في إثبات الوجود تارة، وفي الدفاع عن الفكرة تارة، وفي أهلية المشروع تارة، فيخرجون من هذه إلى تلك وهم مستنزفون مبتعدون عن أهدافهم المرحلية التي كانت حتماً طريقاً وحيداً لتحقيق الهدف الكبير.

والناظر إلى حال الإخوان في الفترة الحالية يدرك أنهم قد وقعوا أسرى الانشغال بالحلم، فغفلوا عن الواقع.

فإن كان هدف الإخوان الكبير هو إصلاح الأمة – كلها – وتحكيمها بشرع الله – الذي هو من حيث مقاصده حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، فستبقى أهداف ذلك المرحلية هي: إصلاح الفرد، والأسرة، والمجتمع.

وإذا أردنا أن نقيس مدى قرب الإخوان أو بعدهم عن إصلاح الأمة (الهدف الكبير)، فلا بد أن نقيس مدى القرب من تحقق إصلاح الفرد، والأسرة، والمجتمع (الأهداف المرحلية).

والناظر المدقق في السلوك الفعلي للإخوان (كقيادة، وكأفراد) يدرك أنهم مشغولون بالحديث عن والترتيب للقضايا الكبرى (الانتخابات العامة، والشعار، والإصلاح السياسي، والتنظيم، والانتخابات الداخلية، والصراع مع الأمن، و…) بينما ينحدر الفرد، والأسرة، والمجتمع نحو الحضيض القيمي، والأخلاقي، والاجتماعي..

فمن منا ينكر أن المجتمع المصري (وكل مكوناته الأصغر) قد صار أسوأ حالاً مقارنة بعشر سنوات مضت؟

ومن منا ينكر أن التدين الحقيقي في طريقه للاختفاء، وأن التدين السطحي يحل محله بسرعة عجيبة؟ فيكثر النقاب، والجلباب، والسواك بينما تختفي المروءة، والشجاعة، والأمانة، والإحسان، ويكثر المصلون، وتنتشر الجرائم، ويكثر الحجاج والمعتمرون، ويكثر المرتشون والفاسدون، والغريب أن خلقاً كثيراً يجمع بين هذه المتناقضات؛ فتجد المصلي المهمل، والمعتمر المرتشي، والحاج الفاسد، وهكذا.

ومن منا ينكر انهيار التعليم، وضحالة الثقافة لمعظم الشباب؟ ونظرة واحدة على شباب الجامعات (المتدين وغير المتدين)، وعلى التعليقات التي تتذيل مقالات الرأي، وأخبار الصحف الإليكترونية تدلنا على مدى الجهل، والتخلف الذي يغمر شباب اليوم الضائعين التائهين المغيبين.

ومن منا ينكر تفسخ المنظومة الأسرية التي كانت حتى وقت قريب صمام الأمن للأسرة المصرية كلها؟ فمن شاب لا يستطيع الزواج إلى شاب لا يعرف ماهية الزواج، ومن زوج مسافر لطلب الرزق، إلى زوجة لم تشعر بالسكن كما أراده الله، ومن أسر تتزاوج لتتقارب فتتنافر، إلى …

ومن منا ينكر القسوة الزائدة لضباط الشرطة؟ ومن منا ينكر جشع أصحاب الأعمال (الصغير منهم والكبير)؟ ومن منا ينكر تلاشي إحساس المسئولين بالناس؟ ومن منا ينكر ضعف رجال العدل الجدد؟

أليس هؤلاء جميعاً نتاجاً لهذا المجتمع المتفكك يوماً بعد يوم؟

والإخوان في طريقهم ماضون؛ فلا يتوقفون لحظة ليراجعوا الدرب، وأهل الطريق!

وأهل الفساد يشغلونهم بالأضواء الباهرة، والأصوات الزاعقة، وهم في طريقم ماضون.

أقفلوا في وجوههم المساجد.. شبابهم يبتعدون عن المساجدون.. وهم في طريقم ماضون.

قل علماؤهم .. شبابهم لا يتفوقون، أفرادهم لا يقرؤون.. وهم في طريقهم ماضون.

انشغلوا بالدنيا.. قلت أخلاقهم، وهم في طريقهم ماضون.

انصرفوا إلى التنظيم.. ابتعدوا عن الناس، وهم في طريقهم ماضون.

أي طريق هذا؟ أهو حقاً صراط مستقيم؟

هل طريق ينحرف بأصحابه هو طريق الغاية فعلاً؟

هل طريق يبتعد برحله عن جيرانه.. عن أقربائه.. عن أبنائه.. عن إخوانه.. هو طريق لا يقبل المراجعة فعلاً؟

يا قومنا أفيقوا.. يا قومنا أفيقوا..

الأحد، ٢٠ يونيو ٢٠١٠

الطريق إلى الفوضى (7) – عجز الثقة

يتوق جل المصريين إلى التغيير؛ فالنظام البائس، وأسياده، وأذنابه لم يتركوا قرية إلا أفسدوها، ولم يروا شعاع ضوء إلا أخمدوه..

وحيرة الناس (الواعين) لم تعد في الفساد وأهله؛ لأن الفساد قد صار مقرراً يومياً في حياة مصر وأهلها، ولكن الحيرة الأكبر تكمن فيمن يزعمون السعي إلى التغيير، وأين هم؟ وماذا يفعلون؟

وكل العوامل الماضية التي أشارت إليها سلسلة المقالات تشير إلى الحاجة الملحة والعاجلة للتغيير؛ لأن التأخير في التغيير يعني المزيد من الانهيار، والتحرك البطيء يزيد من سرعة الاشتعال..

والناظر إلى قوى التغيير الحقيقية – حالياً - في مصر يصاب بإحباط شديد؛ فهي:

  • إما نخبة مثقفة تعيش في أبراج عاجية لا علاقة لها بالواقع الفعلي – وليس النظري – المعاش.. نخبة لم تستطع أن تجذب إليها المطحونين - وإن حاولت التحدث باسمهم.. نخبة تجيد التظاهر والظهور والمعارضة، بينما هي غير موجودة في حياة الناس التي تزعم السعي لتغيير حياتهم..
  • وإما شباب غض يحلم بالتغيير، ويسعى إليه، ويكابد تارة مع "كفاية"، وأخرى مع "البرادعي".. لكنهم لا يجدون من من يأخذ بأيديهم إلى الطريق، ويدلهم عليه.. تأخذهم الحماسة في عالمهم الافتراضي، ويحاولون نقلها إلى العالم الحقيقي؛ فتصدمهم قسوة رجال الأمن, وقلة حيلة النخبة المزعومة..
  • أما الفريق الثالث، وهو الأكثر عدداً، والأرجى قدرة على التغيير.. الفريق الموجود – تقريباً - في كل قرية، وحارة في ريف مصر، وحضرها.. الفريق الأكثر وضوحاً في الأهداف – العامة، والمتوافقة مع مزاج المصريين العام، وانتمائهم الحضاري.. الفريق الأكبر تجذراً في عمق التاريخ المصري الحديث، بما يمثله ذلك من تراكم للخبرات، وتنوع في الأعمار.. هذا الفريق – الإخوان المسلمون – يمثل حاله الآن علامة استفهام كبرى لكل الحالمين بالتغيير.

فالإخوان المسلمون – رغم كل ما ذكر من ميزات يتفردون بها – إلا إنهم غير جادين في التغيير، وأقصد بالجدية هنا جدية التغيير العملية، وليست النظرية؛ فالحديث عن التغيير يختلف عن العمل نحوه، والغايات تحتاج إلى وضوح رؤية، وخطوات عملية، وهما ما تفتقدهما الجماعة حالياً..

فالإخوان المسلمون – بوضعهم الحالي – منشغلون بالتنظيم مستغرقون في تفاصيله أكثر من انشغالهم بالشأن العام، ومشاكله، فالإخوان:

  • يستهلكون طاقتهم في ترتيب تنظيم ضخم دون ظهور لأثر هذا التنظيم – إلا في الانتخابات، أو الجامعات مع ما يعتري ذلك من مشاكل تبعدهم عن المجتمع أكثر مما تقربهم.
  • نظراً للاهتمام بالتنظيم؛ فإن الإخوان صاروا أكثر ميلاً إلى تربية الجنود التي تسمع وتطيع، أكثر من اهتمامهم بتربية القادة الذين يحتاجهم المجتمع للتوجيه والريادة؛ فصار الإخوان ينتظرون التكليف في كل صغيرة وكبيرة.. فالجندي منفذ جيد، إلا أنه يحتاج دائماً إلى من يأمره، وإلى الأمر الذي يحركه، أما القائد فإنه ذاتي بطبعه يسارع (بالمفهوم القرآني للتسارع)، ولا يتباطئ.. تحركه دوافعه الإيمانية على الفعل العام قبل الخاص، وعلى إغاثة الملهوف دون ادعاء حكمة، أو خوف اندفاع..
  • وقد أفرز هذا الاهتمام بالتنظيم قادة حركيين منغلقين، جعلوا من التنظيم هدفاً في حد ذاته؛ رغم أن التنظيم لم يوجد إلا للدعوة والانتشار، وللتغيير والنهوض، وأصبح جل هؤلاء القادة حاضرين عند الحديث عن التنظيم، وأهدافه، ولوائحه، ووسائله (راجع مقالاتهم في موقع إخوان أون لاين)، وغائبين عند الحديث عن المجتمع وهمومه ومشاكله؛ مما أثر في اهتمامات الجماعة وأولوياتها، وقراراتها.
  • يزدادون انغلاقاً على أنفسهم؛ فيكتفون – إلا من رحم ربك - بعلاقاتهم الداخلية الخاصة؛ فيعيشون عالماً منعزلاً – شعورياً – عن حياة الناس العامة؛ رغم أن أدبياتهم، وسير قادتهم السابقين – في عهدي التأسيس الأول والثاني – تخالف هذا السلوك الانغلاقي؛ إلا أن واقع الأفراد الحالي أكثر تدليلاً على هذا الانغلاق، وعلى هذه العزلة.
  • أدى هذا الانغلاق إلى الاقتراب فقط ممن يرجى ضمهم، أو جذبهم إلى التنظيم؛ مما أدى إلى مزيد من العزلة والاغتراب؛ فجل الناس لا يقدرون على العمل التنظيمي، وتبعاته، وقواعده، وأوامره ونواهيه؛ فأغلقوا على أنفسهم أبواباً كثيرة من الخير، وحرمتهم كثيراً من التعايش مع المجتمع الذين يسعون إلى إصلاحه!
  • كما أن الاهتمام بالتنظيم، والعزلة الشعورية، والقيادة الحركية تنفر من المبدعين، وتقيد حركتهم، فهم إما مقيدون داخل جدار التنظيم، مستهلكون في تفصيلاته، أو منزوون منسحبون؛ فينطفئ إبداعهم، ويخسرهم المجتمع، وإما هاربون من التنظيم؛ فيخسرهم التنظيم، والمجتمع أيضاً في أحيان كثيرة.

قد يرى كثير من الإخوان في هذا الحديث غمطاً لحق الإخوان، وإهداراً لجهدهم، وابتلائهم؛ إلا أن النقد هنا هو للواقع الذي يحتاج إلى تغيير، وتصحيحاً لأوضاع تحتاج إلى وقفات ووقفات ممن يملكون أدوات التغيير، ويعطلونها في مجتمع تتسارع خطوات انهياره يوماً بعد يوم.. في مجتمع يحتاج إلى من يعيش همومه، ويقوده نحو التغيير..

ولكي لا يكون الحديث عن الإخوان نقداً محضاً دون تقديم نصح أو بدائل، فسأحاول في نقاط محددة تقديم هذا النصح، لعله يشير إلى الخلل، أو يدل عليه..

  • فالإخوان في حاجة ماسة لأن يغيروا من وسائلهم التي تناطح السلطة أكثر مما تقترب من الناس؛ فالإصرار مثلاً على المشاركة في الانتخابات العامة في ظل هذا النظام الفاسد، وفي ظل هذا التزوير الفج يخصم من رصيد الإخوان أكثر مما يضيف إليهم، ويعطل طاقتهم، ويهدرها في تمثيلية ممجوجة يمارسها النظام بلا حياء؛ فقد صار الناس ينظرون إلى الإخوان بأنهم ساعون إلى السلطة – رغم عدم صحة ذلك، وأنهم جزء من المعادلة الفاسدة في مصر المظلومة. وعودة الإخوان إلى الدعوة، واستعلاؤهم على المنافسة السياسية، وبقاؤهم كمرجعية للأمة كلها لكفيل بعودة الصورة الصحيحة عن الإخوان، وعزل للنظام الفاسد، وفضح له..
  • وعودة الإخوان إلى الدعوة – بكل مجالاتها – سيزيدهم قرباً من المجتمع، والتصاقاً به؛ فيعيشون همومه، ويساعدونه على النهوض، والتغيير المنشود، ويأخذون بيده لينتشلوه من مستنفع الفساد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يعيش فيه؛ ويصيرون علامات يهتدي الناس بها في ظلمات الفوضي التي تحيط بهم من كل اتجاه..
  • كما أن عودة الإخوان إلى الدعوة تربي الإخوان أنفسهم التربية الصحيحة التي توجه المجتمع ولا تنعزل عنه، وتخالطه ولا تتشرب منه سيء صفاته.. التربية التي تجعل السياسة جزءاً من الدعوة لا كل الدعوة.. التربية التي تعود بالإخوان إلى القرآن، والدعاء، كما تعلمهم الوقوف في وجه الظالم، ونصرة المظلوم.. التربية التي تقدم منهم القدوة الصالحة التي يفتقدها الناس في غمرة يأسهم بإمكانية التغيير..
  • والإخوان في حاجة ماسة لأن ينفك عنهم قيد التنظيم؛ فيصبح التنظيم موجهاً لا محركاً، ومرشداً لا منظماً؛ فينطلقون في ساحات المجتمع، موجهين تارة، وتابعين تارة، واقفين في وجه الظلم تارة، وناصرين للمظلوم تارة أخرى، ويتخفف التنظيم من تبعات الحركة المنظمة التي تعيق الأعمال، وتقيد المنتمين، وتحفز الظالمين، وتزداد الذاتية عند الإخوان؛ فتزداد بالتبعية عند عموم الناس، ويقترب الإخوان أكثر من المجتمع بكل فئاته دون انتظار تكليف، كما يقتربون من الساعين إلى التغيير دون شبهة حسابات خاصة، أو اتهامات مرسلة..
  • والإخوان في حاجة لأن يضيفوا إلى رصيد المجتمع من الطاقات؛ فيهتمون برعاية المبدعين من علماء، وأدباء، وفنانين، وخطباء، وقادة، وأن يقدموا لهم يد العون للتفرغ لإبداعهم، وتوفير المسارات التي تظهر إبداعهم، وتنميه دون حساسية الانتماء إلى تنظيم، أو اتجاه سياسي يعيق إبداعهم؛ فنماذج القرضاوي، ومحمد الغزالي، وسيد سابق، ونجيب الكيلاني، وتوفيق الشاوي، وحسان حتحوت، وخالد عودة، وغيرهم في حاجة إلى استنساخ يتلافى أخطاء الماضي التي أشار إليها هؤلاء المبدعون أنفسهم..

هذه النصائح ما كنت لأتقدم بها إلا حرصاً على هذا البلد، وحرصاً أيضاً على القوة المنظمة الوحيدة – حتى الآن – والمالكة لآليات التغيير، والقادرة على قيادة المجتمع نحو هذا التغيير بمزيد من الجهد والمثابرة والإبداع والتعاون مع كل قوى المجتمع..

إخواني.. أخواتي

إن التاريخ لا يتوقف عند أحد مهما كان سابق جهده، وشأنه؛ فالله لا يحابي أحداً..

وللإخوان في نجم الدين أربكان عبرة أدعو الله أن يعتبروا منها..

الأحد، ٦ يونيو ٢٠١٠

الطريق إلى الفوضى (6) – الدعاة الجدد

az3410 ظل الأزهر طوال طوال مئات من السنين المنبع المتفرد، والمسار الوحيد لتلقي علوم الدين في مصر، كما أنه ظل المدرسة الوحيدة التي تخرج العلماء، والدعاة، والوعاظ..

وفي بدايات القرن العشرين، ومع ظهور الحركات الإسلامية، ظهر دعاة غير معمَّمين، حملوا الإسلام إلى الناس خارج المساجد تارة بالممارسة العملية، وداخل المساجد تارة أخرى بالوعظ والإرشاد؛ ولكن بقيت العلوم الإسلامية، وتخصصاتها الفقهية والشرعية محصورة في رجال الأزهر حتى داخل الحركة الإسلامية الحديثة..

واستمرت هذه الثنائية.. الدعوية المفتوحة، والتخصصية المحصورة – إلا فيما ندر – حتى نهايات القرن الماضي؛ فظلت المرجعية الفقهية والشرعية محصورة على رجال الأزهر، يستوي في ذلك الحركيون، وغيرهم..

وعندما انسحب الأزهر تدرجياً من الحياة العامة – بضعف خريجيه وارتباطه المباشر بالسلطة – بدأ نجم ما يسمى بالـ "الدعاة الجدد" في الظهور، والانتشار..

وهؤلاء "الدعاة الجدد" قسمان:

  • قسم يخاطب الشباب بلغة عصرية، وبلهجة عامية تسويقية دون معرفة علمية، أو تخصص دقيق؛ فيخاطب المشاعر والوجدان، لا العقول والألباب، ويسرف في الحديث عن الأخلاق، والقيم، دون تأصيل، أو تمحيص، مخاطباً الفرد، لا الأمة، ومقدماً للدين كحلية تتوسط متع الدنيا دون تعب تخلية، أو تحلية، ودون مشقة زهد، أو ابتلاء مستغلاً في ذلك الوسائل التقنية الحديثة من اهتمام بالصورة، وإبهار في الإخراج، دون تدقيق في المحتوى، أو تقييم للأثر..
  • أما القسم الآخر فعلى النقيض من ذلك؛ فهو متيم بالمعرفة، وحدودها، وشكلها.. مهتم بالحروف والمظهر، لا المعاني والجوهر.. يطلب من الناس الحنق على الدنيا وطيباتها.. يُزّهِّد الناس فيها، وفي خيراتها.. يحصر الخير – كل الخير – في اتباع من سلف دون سواهم، خوفاً من بدعة يضل بها أهل الدين.. ولا يفرق في ذلك بين جديد الدنيا، وبدعة الدين.. يجعل الدين طلاسم تحتاج دائماً لمن يفك شفرتها، ويحل ألغازها.

ورغم التناقض الظاهر بين الفريقين إلا أن نجومهما يشتركون في أمور عدة تتمثل في:

  • غياب الدراسة العلمية المنهجية، والاعتماد على العامة في التقييم، والإنجاز؛ فإن كان الفريق الأول لا يدعي علماً، ولا فقهاً؛ إلا أنه يرى أن لا حاجة ماسة له في التزود بالعلم الشرعي المنهجي الذي يضبط الأداء ويقوم العوج، ما دامت علوم التسويق والإعلام كافية في ازدياد الأتباع، وكثرة المريدين.. بينما يرى الفريق الثاني العلم كتاباً يقرأ، أو حديثاً يحفظ، أو درساً يسمع من شيخ ذائع الصيت، ولا حاجة عندئذ للدراسة المنهجية، ولا للأبحاث المُقيَّمة، ما دام العامة يهتفون بحياتهم، ويشترون خطبهم المسجلة، وما داموا يُنعتون من هؤلاء العامة بأنهم أعلم أهل الأرض دون حاجة لمؤهل عملي، أو رسائل "ماجستير"، أو "دكتوراة"، أو حتى لكتب يقوم على نقدها المتخصصون؛ فالعلم في نظرهم ما هو إلا درس يلقى، وأذن تسمع!
  • الانسحاب من الحياة العامة؛ فقضايا البطالة، وحقوق العمال، والمال العام، والفساد، وتزوير الانتخابات، وغيرها من القضايا العامة هي بالنسبة للفريقين قضايا لا تستحق التعليق، أو النصح لأئمة المسلمين وعامتهم، وهي خارج دوائر الاهتمام؛ لأنها عند فريق عرَض لضياع الأخلاق، وهي عند الفريق الآخر أمور تخص ولي الأمر واجب الطاعة، ونصحه فيها يكون سراً لا علناً!!
  • السطحية الشديدة في الطرح؛ فرغم أن الظاهر يوحي بأن هذه التهمة هي للفريق الأول دون الثاني إلا أن التدقيق في الخطابين يؤكد أنهما يصبان في نفس الاتجاه، ألا وهو البعد عن العمق، والنواحي العملية في حل ما يحيط بالأمة من مشكلات؛ فالقضايا الكبرى للأمة يتجاهلها الأولون تماماً؛ لأنهم مشغولون بالبناء الفردي للشباب، والبنات، حيث لا وجود للضمير الجمعي في خطابهم الدعوي، أما الفريق الآخر فيرى أن العقيدة (النظرية)، والعلم المجرد هما المكونان الأساسيان لعودة الأمة، ولاسترداد أراضيها، ومقدساتها، ولا سبيل غير ذلك، وأذكر شريطاً مسجلاً سمعته لأحد هؤلاء في ذروة اقتحام القوات الأمريكية للأراضي الأفغانية عام 2001م، وهو يتحدث عن أحاديث الفتنة وآخر الزمان، وكيف أن الرسول أخبرنا بهذا، وأشار إلى ذلك، واستمرت الخطبة العصماء هكذا مخدِّرة في النفوس، داعية (ضمناً) إلى الاستسلام للمصير المحتوم؛ وسيأتي النصر لا محالة إذا ذهبنا إلى مساجدنا، واستمعنا لدروس علمائنا، وفهمنا عقيدتنا (النظرية)!!

ومن المؤكد أن هناك تباينات أكثر، واختلافات أشد بين الفريقين من الدعاة غير المتخصصين؛ إلا أنهم يمثلون حالة الرمزية لعموم الناس، الذين يتردون في الأخلاق، والمعاملات، والضعف، والانكسار، والذل والهوان.

وأمام ذلك التردي لا يتوقف كلا الفريقين عن طريقه الذي اختاره؛ فيراجع نفسه، ويراجع حال أمته التي انهالت عليها السهام من كل صوب، بل إنهم راضون فرحون بأدائهم، وأتباعهم..

وصحيح أن المستفتين يتزايدون، وأن مقيمي الشعائر يتكاثرون، والمساجد في ازدياد؛ ولا شك أن لهؤلاء، وأولئك دور كبير في ذلك؛ إلا أن الأمراض الاجتماعية تتغول، والفساد ينهش، والفقراء يزدادون فقراً، والأغنياء يزدادون غنى، وهؤلاء وأولئك غافلون، ويحسبون أن كلماتهم المتناثرة هنا، أو هناك تعفيهم من مسئولية الأمانة التي حمّلوها لأنفسهم..

ففي سنى عمري الأولى لم يكن هناك هذا العدد من الدعاة، ولم تكن هناك كل هذه الوسائل السمعية والبصرية التي تنقل الدروس والخطب؛ وبالتبعية لا أذكر أنه قد كان هناك كل هذا العدد من المعتمرين، والمنتقبات، والملتحين؛ إلا أن الناس كانت وقتها أكثر تراحماً، وأقرب وداً، وأنقى قلباً..

كان وقتها الموظف المرتشي نادرة يتندر بها الناس، وكذلك المدرس البليد، والعامل الكسلان، ورغم أن الفقر كان موجوداً؛ إلا أن الرضا كان مقروناً به يخفف من ألمه، ومن عذاب العيش معه..

ويطرح هنا سؤال نفسه: ألم يكن مشروع هؤلاء صلاح الأخلاق؟ فأين هذه الأخلاق التي تم إصلاحها؟ وألم يكن مشروع أولئك هو تصحيح العقيدة؟ فأين ذلك الإحسان الذي تستوجبه العقيدة، وأين ذلك الرضا وهو من أركان العقيدة؟ وأين تلك الشجاعة في مواجهة الفساد والباطل، وهي من صلب بناء رجال العقيدة؟

إن هؤلاء وأولئك ليجروننا إلى فوضى عظيمة، فوضى تخدير النفوس بكلمات تـُنقل إلى الأسماع، ولا تتحرك بها القلوب، أو تنفعل بها الأبدان.. كلمات جاء بها الدين ليوقظ النُّوَّم، ويستنهض الغافلين، لا ليغيب العقول، ويسترخي الأجساد..

إن ديننا عظيم، ولا يستحق حمل أمانته إلا من وعاه بقلبه قبل عقله، ومن مارسه بنفسه قبل دعوة غيره.. إن ديننا دين نهضة، ودين عزة، لا دين تخلف، وخذلان..

إننا بحاجة لدعاة عمل لا دعاة قول، وبحاجة لعلماء متخصصين منهجيين مجتهدين، ولسنا في حاجة إلى حفظة نقلة مُقلِّدين..

والناظر المتجرد لأمر الدعوة، والعلوم الشرعية، ولحملتها في الفترة الحالية ليدرك تمام الإدراك أنها قد أصبحت جزءً من الفوضى الخلاقة التي تستهدف الأمة وكيانها، فهل نحن منتبهون؟

إخواني.. أخواتي

كما ترفضون أن يداويكم غير الطبيب المتخصص، فلترفضوا أيضاً أن تتلقوا علوم دينكم من غير المتخصص..

وأن تمارسوا الدعوة بأفعالكم؛ وأخلاقكم خير لكم من أن تتلقوها من أهل التسويق والإعلام..

الاثنين، ٢٤ مايو ٢٠١٠

الطريق إلى الفوضى (5) – الفتنة الوطنية

الخواجة عزمي: تاجر الذهب، والقبطي الوحيد في مدينتي الصغيرة بمحافظة الدقهلية.

لم أشعر بأي بغض، أو تمايز في طفولتي، أو في صباي نحو هذا الرجل - الذي مات منذ فترة قصيرة – ولم يحدثني أحد من أهل بيتي – المتدين منهم وغير المتدين – بسوء عنه، أو عن عائلته التي كانت تعيش معه. كذلك لم يمتنع أحد من أهل المدينة الصغيرة – الصالح منهم والطالح – عن التعامل معه، بحجة أن الشراء منه حرام، رغم أن تجاراً آخرين من المسلمين في نفس البلدة كانوا يتاجرون أيضاً في الذهب..

كما أني أزهري منذ المرحلة الابتدائية عشت في صباي مع مسلمين فقط، ودرست مواد الدين الإسلامي المختلفة، ولم يغير ذلك من شعوري نحو ذلك الرجل المسيحي الوحيد في صباي.

ولم أر غضاضة أبداً – وحتى الآن - في الشراء من محل تاجر مسيحي، أو في التعامل مع مسيحي في علاقة زمالة، أو علاقة عمل عابرة كانت أم دائمة..

نشأت على ذلك، وأعتقد ذلك رغم أني أحسب أني متدين متمسك بديني وعقيدتي..

إلا أن مخطط "الفوضى الخلاقة" لا يريد أن يبرز هذه الصورة، ولا أن يعممها؛ فهو يهدف إلى إبراز النماذج الشاذة، والمواقف السيئة حتى يتحقق المراد، وتشتعل النيران..

فصرنا نسمع عن "الأقلية المهانة"، ونقرأ توصية بـ "رسالة إلى كل قبطي في مصر ـ حذاري من الأطباء المسلمين"؛ بما يشعرك أن دماء المسيحيين تسيل في مصر أنهاراً، وأن المسلمين يقتلون أطفال المسيحيين، ويستحون نساءهم، وأن المسيحيين لا يأمنون على أنفسهم، ولا على أولادهم، ولا يقدرون على أداء شعائرهم، أو الجهر بها!!

ووازى ذلك حديث قديم جديد عن حتمية إلغاء المادة الثانية من الدستور المصري – والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع؛ لأنها تهين الأقباط؛ لأن الدولة كيان اعتباري لا دين له (!!)، وكذلك الحديث عن حذف خانة الديانة من بطاقة الهوية؛ لأن الدولة المدنية علمانية بالأساس!! ولنا أن نسأل حينها "هل من شروط الوحدة الوطنية أن يكفر المسلمون بشريعتهم" كما يقول الشيخ الغزالي – رحمه الله – في كتابه: "قذائف الحق".

كما استدعي ذلك طلب بإلغاء لكل مظاهر التدين – الإسلامي – من الحياة العامة؛ فاستحالت مقدمة كتاب مدرسي تبدأ بكلمة "بسم الله الرحمن الرحيم" إلى طعنة في قلب الوحدة الوطنية! وصارت إذاعة القرآن الكريم تمييزاً عنصرياً!، وأصبح الاستشهاد على القواعد اللغوية بآية قرآنية إجباراً على دخول الإسلام؛ رغم أن دليل اللغة العربية الأساس هو القرآن، وتناسى الجميع أن "الحوار والعيش الواحد في الوطن الواحد بين أهل الدينين، لا يستقيم بغير احترام الخصوصيات والمشاعر والرموز والمقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية، ولا يقتصر ذلك على سلوك أبناء كل من الدينين تجاه الآخر، وإنما يعبر عن نفسه كذلك في وقوف الطرفين معاً ضد أي امتهان لمقدسات أي منهما أيا كان مصدره" كما يذكر د/ محمد سليم العوا في كتابه: "للدين والوطن: فصول في علاقة المسلمين بغير المسلمين".

واستتبع ذلك بالضرورة حديث عن مصر القبطية لا العربية، وعن المصريين الأصليين من غير الغزاة العرب الذين أجبروا أهل مصر على دخول الإسلام، وساموهم سوء العذاب! وارتفعت أصوات - كانت هامسة – بأحقية الأقباط في مصر، وطرد الغزاة منها، واستدعاء النموذج الأندلسي في أسبانيا، أو الإسرائيلي في فلسطين، وهو ما يستدعي بالضرورة أن نتساءل مع الشيخ الغزالي: " لقد كانت مصر وثنية فى العصور القديمة، ثم تنصر أغلبها، فهل يقول الوثنيون المصريون لمن تنصر: إنك فقدت وطنك بتنصرك؟
ثم أقبل الإسلام فدخل فيه جمهور المصريين، فهل يقال للمسلم: إنك فقدت وطنك بإسلامك؟"

واستلزم ذلك تزييف التاريخ، والتعمية على نقاطه المضيئة، والبحث بملاقط عن جملة هنا، أو مقطع هناك يتحدث عن اضطهاد يعيش في ظله المسيحيون منذ أربعة عشر قرناً من الزمان!! رغم أن التاريخ يقول – نقلاً عن كتاب "أهل الذمة في مصر" للدكتور/ قاسم عبده قاسم: "وبعد انتصار المسلمين استقدم عمرو بن العاص بنيامين وأمنه، فأخذ ذلك البطريرك – الذي قضى شطراً كبيراً من حياته – في نضال ضد البيزنطيين أعداء الأقباط المذهبيين – يعمل بلا كلل لتقوية الكنيسة اليعقوبية ويعيد تأسيس الأديرة والكنائس التي هدمت قبل الفتح الإسلامي، كما أرسل مطراناً جديداً إلى الحبشة، وكانت آخر أعماله تأسيس كنيسة جديدة للقديس مكاريوس في وادي النطرون (Butcher: The story of the Church of Egypt: vol. I, p. 383)".

كما صارت هناك نغمة سائدة عالية الصوت عن حقوق الأقباط المهدرة في الوظائف العليا؛ وكأن هذه الوظائف متاحة في الأصل لغير الأقباط (!)؛ رغم علم الجميع أن المناصب في الدول الاستبدادية – وبلدنا واحدة منها – حكر على فئة واحدة من ذوي المصالح القريبين من دوائر الحكم، والخادمين له؛ فالمحافظ، والوزير، ورئيس الجامعة، وعميد الكلية، ومدير الأمن، والعمدة لا يتم اختيارهم إلا بمقاييس أمنية قاصرة قد ترى في المسلم الفاسد مصلحة عن المسيحي النافع، أو قد ترى في المسيحي الطالح مصلحة تقدمه على المسلم الصالح.

إلا أن "الفوضى الخلاقة" تحتاج إلى توزيع طائفي للمناصب، لا إلى اختيار حر ديمقراطي.. ولا مانع حينئذ من زيادة ابتزاز الدولة التي صارت ضعيفة أمام جماعات الضغط الداخلي المدعومة من ذوي النفوذ الخارجي حتى تصير "الكوتة" أمراً مسلماً به حين تصبح مصر "عراقاً جديداً"!!

وتفرغت المنظمات الحقوقية القبطية المدعومة للدفاع عن الطائفة، لا للدفاع عن الوطن؛ وانصب جهدها في المطالبة بحقوق المسيحيين وحدهم رغم أن إخوانهم المسلمين محرومون من تلك الحقوق كذلك أو يزيد.

وجرت أقلام مسيحية ولا دينية هنا وهناك تطعن في الدين الإسلامي، وفي أهلية شريعته، وفي الطعن في ثوابته، وقيمه، بما يهيج العامة، ويزيد الاحتقان؛ فيزداد عمق الأخدود، وتعلو الطائفية حتى تحين ساعة الفوضى الموعودة!!

وصار هناك حديث ملتبس عن تكفير المسلمين لغيرهم من أتباع الديانات الأخرى؛ وسار في درب هذا الحديث كل من لا يعرف ديناً، ولا يلتزم بشريعة؛ رغم أن "أهل كل دين يرون غير المؤمنين بدينهم كفاراً بل إن بعض أهل المذاهب والطوائف في الدين الواحد لا يقرون بالإيمان لبعض أهل الطوائف والمذاهب الأخرى داخل الدين نفسه. وهذه خصيصة من خصائص العقائد الدينية، تـَمِيعُ الحدود بين الأديان إذا فقدتها، ويغدو الإيمان بالعقيدة لا معنى له إذا اعتقد صاحبها أن أهل العقائد المغايرة لها على الحق كله، أو على نوع منه، على الرغم مما بينها وبين عقيدته هو ومن تناقض او تضاد" كما يذكر د/ محمد سليم العوا في كتابه سالف الذكر..

كما علا الصوت – تبعاً لذلك - بأن المسلمين يستحلون دماء وأموال وأعراض الكفار من غير المسلمين، ليتم إلباس الحق بالباطل؛ فينخدع غير المسلمين؛ فيرون أن المشكلة في الإسلام ذاته لا في المسلمين الجهّال؛ مع أن كل من له دراية بسيطة بالدين يعلم أن "قضية الإيمان والكفر – هي قضية أخروية – لا يترتب عليها عداوة ولا إباحة دم ولا مال ولا عرض. نعم لو حاربنا قوم على الدين – أو على غيره – حاربناهم، ولو غزونا قاومناهم؛ لا بسبب اختلاف الدين بل بسبب العدوان. وشتان ما بين الأمرين أو الحالين." كما ذكر أيضاً د. محمد سليم العوا.

إنني لا أزعم أن الأمور على ما يرام، أو أن الطائفية تخرج أدرانها من طرف واحد فقط؛ ولكني أزعم أن حقوق الجميع منقوصة، وأن المتمسكين بالسلطة لا يشغلهم إلا البقاء في كراسيهم سواء كان ذلك على حساب هذه الجهة أو تلك..

كما أني أزعم أن ليس للمسلمين جهة رسمية تتحدث باسمهم نستطيع أن نوجه لها اللوم في حديث هنا، أو حدث هناك؛ بعكس المسيحيين الذين تتحالف قيادتهم الرسمية مع النظام الفاسد في العلن في الانتخابات، بنفس القدر الذي تستغل ضعفه في الضغط عليه للحصول منه على مزيد من المكاسب الطائفية.

وإن كنت أزعم أن المفكرين الإسلاميين الكبار (أمثال أ. فهمي هويدي، والشيخ القرضاوي، ود. محمد سليم العوا، وغيرهم) ينتفضون حين يتم تسويق فكرة مغلوطة، أو ترتكب أعمال إجرامية في حق الأقباط؛ في حين أن كبار الكنيسة يزيدون البنزين على النار كما فعل الأنبا توماس عضو المجمع المقدس وأسقف "إبراشية القوصية" حين قال في محاضرة له بالولايات المتحدة الأمريكية: "أن أكبر معضلتين تواجهان المجتمع المسيحي في مصر هما "التعريب" و"الأسلمة"، وأن القبطي يشعر بالإهانةِ إذا قلت له إنك عربي، مضيفًا: "أننا لسنا عربًا ولكننا مصريون، وأنا سعيد لكوني مصريًّا وإن كنتُ أتكلم العربية، ومن الناحية السياسية فإنني أعيش في ظل دولةٍ تم تعريبها وتنتمي إلى جامعة الدول العربية، ولكن ذلك لا يجعلني عربيًّا"، ويقول أيضاً: "أن الأقباط المصريين يشعرون بالخيانةِ من إخوانهم في الوطن "؟"، كما أنهم أدركوا أن ثقافتهم ماتت، ووجدوا أن عليهم أن يحتضنوا هذه الثقافة ويحاربوا من أجلها، حتى يحين الوقت الذي يحدث فيه الانفتاح، وتعود الدولة إلى جذورها "القبطية"، وفي المناخ الراهن فإنه لا يمكن تدريس اللغة القبطية التي هي اللغة الأم لمصر في المدارس العامة، في حين تسمح نظم التعليم بتدريس أي لغةٍ أجنبية أخري." (نقلاً عن مقالة للأستاذ/ فهمي هويدي بجريدة الدستور عدد 22/7/2008).

وأزعم أيضاً أن المسيحيين يزدادون اصطفافاً في خندق منفصل عن إخوانهم في الوطن؛ فصارت منتدياتهم، ونواديهم، ومسارحهم، واجتماعياتهم، وألعاب أولادهم كلها مرتبطة بالطائفة، وصاروا يتلقون الأوامر الصريحة من قادة كنيستهم فيمن ينتخبون، أو متى يتظاهرون، أو فيم يغضبون؛ حتى صارت جل دوائرهم طائفية تستغني عن الآخر، ولا تحتاج إليه!!

إن ما يحدث في مصر الآن من جهل بعض المسلمين بتعاليم دينهم؛ مما يؤدي إلى الإساءة لشركائهم في الوطن، وما تقوم به بعض جهات الطرف الآخر الداعمة لتكرار النموذج الأمريكي الطائفي في العراق بما يعيد إنتاجه في مصر لهو مقدمة واضحة للعيان للفوضى الخلاقة التي يراد لمصر أن تعيشها في الفترة القادمة..

ولا حل لإنقاذ مصر من هذا الخلل، ولحمايتها من هذا العبث، ولاستعادة حق كل مظلوم أياً كان دينه إلا بتطبيق القانون على الجميع سواء بسواء، وبالحرية الكاملة لأهل هذا البلد العظيم لإدارة وطنهم باختيارهم الحر المباشر بعيداً عن فساد الفاسدين، وبطش الظالمين، وبعيداً أيضاً عن أطماع الطامعين..

إخواني.. أخواتي

إن اشتراك البعض في مخطط تفتيت مصر، وتحويلها إلى دولة طائفية لخيانة عظمى تستدعي الأخذ على يد المشارك فيها متآمراً كان أما جاهلاً.

الثلاثاء، ١٨ مايو ٢٠١٠

الطريق إلى الفوضى (4) – العلمانيون السلطويون

elmanyah قسم د. معتز عبد الله عبد الفتاح في كتابه القيم "المسلمون والديمقراطية: دراسة ميدانية" العلمانيين من زاوية تعاملهم مع الديمقراطية إلى قسمين هما: العلمانيون السلطويون، والعلمانيون الليبراليون.

ورغم أني لا أرى أملاً في نهضة هذه الأمة بالسير في طريق العلمانية ليبرالية كانت أم سلطوية؛ إلا أني لا أخفي احترامي للعلمانيين الليبراليين؛ لأنهم منسجمون، ومتسقون مع ما يؤمنون به من أفكار..

فالعلمانيون الليبراليون – كما يرى د. معتز عبد الله عبد الفتاح – "يرفضون السماح بأية حدود على حق أي فرد في أن يكون جزءاً من التنافس السياسي. لذلك فإن هدف نقدهم ومعارضتهم الأول ليس الإسلاميين، ولكن معركتهم الأساسية مع قادة الدولة المستبدين سواء كانوا إسلاميين تقليديين أم علمانيين سلطويين".

أما العلمانيون السلطويون فإنهم "يفضلون حكومة مركزية قوية تحمي وحدة الدولة، حتى لو لم تكن ديمقراطية."، كما أنهم يتبنون مقولة "إن الإبقاء على الوضع القائم مع أنه غير ديمقراطي، أفضل من خطر الديكتاتورية الدينية التي ستنتج من الثقة الساذجة في احترام الإسلاميين للديمقراطية".

ويؤكد الواقع أن هؤلاء العلمانيين السلطويين هم السبب الأساس في تخلف مصر (وباقي البلاد العربية والإسلامية)؛ فقد استلموا السلطة من الاحتلال الأجنبي، وسيطروا على كل منابع الثقافة، والإعلام الرسمية منها، وغير الرسمية، وعلى أيديهم درنا في دائرة تخلف سياسي، واقتصادي، وفكري، وعلمي، وثقافي؛ فلم نلحق بالغرب علمياً، ولم نحافظ على قيم الشرق اجتماعياً..

وهم دائماً جزء من تلك السلطة الغاشمة إما بالانتماء المباشر لها، أو بالتعمية عنها وعن جبروتها، أو بشغل الناس بمعارك وهمية لقضايا فرعية لا تشغل إلا عقولهم، وأدمغتهم الفارغة..

وهم يرون أن تركيا العلمانية المتخلفة تحت حكم العسكر أفضل بكثير من تركيا المتقدمة الديمقراطية المتسامحة مع الدين، وكذلك يرون أن أنهار الدماء التي سالت في الجزائر بسبب وقف الانتخابات خير من تسلم الإسلاميين للسلطة!!

كما أنهم لا يعترفون بهوية لهذه الأمة، ولا يرون أن لها امتداداً جغرافياً كان أو تاريخياً إلا مع الحجارة الفرعونية التي لا قوام حضارياً لها فكرياً، أو ثقافياً؛ إلا أنهم يؤكدون الانتماء إليها نكاية في أعدائهم الوحيدين الذين يرون هوية الأمة عربية إسلامية..

كما يرى هؤلاء العلمانيون السلطويون أن التغريب هو المنهج الوحيد الصالح، كما قال كبيرهم سلامة موسى: "فلنولِّ وجهنا شطر أوروبا.. ونجعل فلسفتنا وفق فلسفته"، كما أنهم يرفضون الدين رفضاً قاطعاً (أو تركه في المنزل أو المسجد على أحسن تقدير): "ليس للإنسان في هذا الكون ما يعتمد عليه سوى عقله، وأن يأخذ الإنسان مصيره بيده ويتسلط على القدر بدلا من أن يخضع له".

وقد يشط بعضهم فيسرف في اتهام الدين، وصاحب رسالته بالكذب، والسرقة من الجد الفرعوني؛ فيقول أحدهم: "عرفت أن خالى.. ليس بخالى.. إنما هو راعى غنم.. خدعنى وكذب علىَّ حتى صدقته.. عرفت أن جدى.. هو أول من علم هذا الكذاب أن هناك حياة بعد هذه الحياة، وأن هناك عدالة اسمها ماعت، وأن هناك حساباً، وثواباً، وعقاباً... وأن هناك جنة وناراً، وكان هذا الخال الكاذب يؤمن بأن الأرواح تذهب إلى أرض الظلمات.. أرض «شيول». عرفت أن جدى كان أول من وضع قانوناً للأخلاق أسمى بكثير من قوانين هذا البدوى «برستد» كما أنه كان أول من وضع قانوناً لحقوق الإنسان «حور محب»".

كما أن هؤلاء يرون في الانحراف الأخلاقي مستلزماً أساسياً من مستلزمات اللحاق بالغرب، والتبعية له، كما ينقل الشيخ الغزالي في كتابه "من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث" عن جريدة "الأهرام" في رسالة نشرتها للدكتور/ مصطفى الديواني: "… لماذا لا نراجع أنفسنا وقوانيننا في حدود التطور العالمي الخلقي؟ فللشباب ثورته، ولا مفر من مهادنته بطرق محتشمة حتى يزهد في المرأة عندما يراها في متناول يده!".

وهؤلاء السلطويون لا يستحون من التنقل بين الاشتراكية والرأسمالية، ومن الشمولية إلى الليبرالية، ما دام ذلك يبقيهم قريبين من السلطة، ومنافعها، وملذاتها؛ فقد كانوا في العهد الناصري اشتراكيين تقدميين، ثم صاروا في العهد الساداتي رأسماليين انفتاحيين، ثم هم الآن مع الاستقرار والجمود في عهد الاستقرار والجمود..

ينهلون دائماً من خير هذا البلد؛ فيتولون المناصب الثقافية، والصحافية، والإعلامية، ويحصلون على الجوائز التقديرية والتشجيعية؛ فيحصلون على الآلاف والملايين، والجاه، والشهرة؛ ثم يدعون أنهم قادة الثقافة والفكر لهذا المجتمع الجاهل المتخلف (!!) الذي لا يعرف مصلحته، ولا طريق نهضته.

وهم لا يشاركون أبداً في الهجوم على الاستبداد؛ بل لا يمانع بعضهم في مدح المستبدين؛ فقضيتهم الأساسية مهاجمة استبداد القرون الإسلامية الأولى (!!)، ولا يرون بأساً في السلطات الإلهية الممنوحة للحكام؛ لأنهم مشغولون بنقض الدولة الدينية المرسومة في أذهانهم، كما لا يهزهم إعدام مفكر أو معارض إسلامي بمحاكم استثنائية بدائية؛ لأنهم يبحثون في عدم صلاحية الشرع الإسلامي للدفاع عن الحرية الشخصية!!

وتمكين المرأة هو قضيتهم الأساسية رغم أن لا حقوق في هذه البلاد للرجال ولا للنساء، ويحاربون الختان رغم أن مشروع إخصاء الأمة كلها يتقدم حيناً بعد آخر، ويدعون إلى حرية المرأة، رغم أن هذه المرأة لا تجد أصلاً من يسد رمقها ورمق عيالها!!

هم – في النهاية – معاول هدم مشغولة بالهدم لا بالبناء، وبالتخريب لا بالتعمير، وبالسفسطة لا بالعلم.. هم أذناب لمشروع غربي صهيوني لا يريد هذه الأمة إلا راكعة مكسورة، وخاضعة منهزمة؛ لتسير في الركب تنتظر الفتات لا في المقدمة قائدة للإنسانية..

إخواني.. أخواتي

إن نهضة الأمة تعتمد أساساً على اعتزازها بهويتها، والبناء على ثقافتها وتاريخها، ولن تقوم لنا قائمة، ولن نرى نهضة أبداً إلا انطلاقاً من هذه الهوية التي كنا بها يوماً قادة للعالم أجمع..