كما تكونوا.. يولّ عليكم
عشت بكل أحاسيسى فى الفترة الماضية مع ما يحدث فى فلسطين الحبيبة..
وكنت أريد أن أدون ما فى خاطرى حول ذلك الموضوع؛ ولكنى ترددت لأكثر من مرة حتى آثرت أن أجمع خواطرى فى تدوينة واحدة حول الأحداث وما رافقها من تعليقات، وتحليلات.
(1) "هو بغباوته"
كلما سنحت لى الفرصة لأرى، أو أقرأ ما ينشره الإعلام العربى الرسمى - وفى مقدمته الإعلام المصرى - أتذكر على الفور المشاهد التمثيلية للممثل "إسماعيل ياسين"، ويظهر فيها بغباوة منقطعة النظير؛ هذه الغباوة تمكنه من تكرار نفس الأخطاء بنفس "السيناريو" دون كلل، ولا ملل.
أقرأ لمصطفى الفقى - المزوِّر، ومحمد عبد المنعم - السكرتير الرئاسى للمعلومات سابقاً - عن أن حماس صناعة إسرائيلية؛ وأن المخابرات الصهيونية أنشاتها حتى تنافس حركة فتح، إلى آخره من الكلام السمج فأشعر بأن هؤلاء هم نسخ مختلفة من شخصيات "إسماعيل ياسين" ولكن على هيئة جديدة هى هيئة المفكر، والمحلل.
وهؤلاء، ومن صنعهم، لم يستطيعوا أن يدركوا بعد أن كلامهم عن أى جهة بصورة سلبية يرفعها فى مكانة عالية بين الناس؛ لأنهم منبوذون، ومكروهون، ومُدانون..
ولسان الحال يقول:
وإذا أتتك مذمتى من ناقص.. فهى الشهادة لى بأنى كامل
لذا فعندما أقرأ كتابات أمثال هؤلاء، ومن على شاكلتهم (محمد على إبراهيم، وأسامة سرايا، وكرم جبر، وعبد الله كمال، وممتاز القط، و....) أفرح فرحاً شديداً؛ لأن كل ما يبثه هؤلاء فى الناس يؤتى عكسه تماماً.
فعلوا ذلك فى انتخابات مجلس الشعب، وفعلوها فى مهازل الاستفتاء، ويفعلونها مع الإخوان، وكفاية، ويفعلونها مع كل شريف فى هذا البلد، وغيره؛ ويفعلونها الآن مع حماس..
يريدون التشويه، فتزداد الصورة نصاعة..
ويريدون التلفيق؛ فيبحث الناس عن الحقائق..
لذا فأنا لا أدرى هل "إسماعيل ياسين" هو الممثل الوحيد الذين يجيدون تمثيل أدواره، أم أن جراب الحاوى ما زال مليئاً بالقرود.
(2) المدينة الفاضلة
كم أشعر بالأسى حين أرى كتاباً، أو أشخاصاً أحبهم، أو أشعر بصدق فى كلماتهم.. محلقين فى دنيا غير دنيا الواقع التى نحياها..
حين يصرون على أن يعيشوا فى وهم اسمه "المدينة الفاضلة" أو "اليوتوبيا" كما أسماها الفلاسفة القدماء..
حين يبحث هؤلاء عن أن يعيش الناس فى سلام.. متحابين.. متوادين.. حيث لا يجدون كُرهاً، ولا بغضاً، ولا قتلاً، ولا كذباً، ولا خيانة..
أشعر بهذا الشعور حين أسمع، أو أقرأ لمن أعياهم ما حدث فى فلسطين؛ فوصموا الجميع وصماً واحداً، واتهموا الجميع اتهاماً واحداً..
يسألون عن البراءة فى دنيانا التى جعل الله فيها الخير، والشر.. وجعل فيها الحق والباطل..
وجعل فيها: {ولولا دفع الله الناس بعضَهم ببعضٍ لهُدِّمت صوامعُ وبـِيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكر فيها اسمُ الله كثيراً}..
يريدون للدنيا أن تنصلح بلا جهاد، ولا جهد، ولا مشقة..
يريدون للحق أن يرتفع دون تضحيات، أو عقبات..
يريدون أن يريحوا بالهم من عناء اتخاذ المواقف؛ فيستسهلون لعن الدنيا والزمان، ومن فيهما..
يريدون أن يغيبوا عن الواقع؛ ليظلوا فى دنيا الأوهام التى لن تأتى أبداً أبداً..
إلى كل هؤلاء أقول:
لن تشفع لكم براؤتكم، ولن يشفع لكم حسن نياتكم..
الدنيا موقف؛ فاتخذوه حتى يتغير الحال الذى سنظل فيه ما دمتم تمصمصون الشفاه، وتلعنون الحال.
{واتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}.
(3) المتألق
ما زال الأستاذ/ فهمى هويدى يتحفنا بقلمه الرائع، وبعقله الفذ، وبمعلوماته الثرية فى كل ما يحيط بنا من أحداث، أو يلم بنا من مصائب..
ينتقل بك من نقطة إلى أخرى، ومن تحليل لآخر؛ فلا تملك إلا أن تقتنع، ولا تستطيع إلا أن توافق على ما يقول..
وكانت رائعتاه الجديدتان عن أحداث فلسطين الحبيبة والمعنونتان "محاولة لفهم ما جرى في غزة "، و"تقصي الحقيقة واجب الوقت " بلسماً شافياً لمن أراد أن يعرف الحقيقة، أو من اعتلاه الهم بسبب كم الكذب، والتلفيق فى وسائل الإعلام الرسمية منها وغير الرسمية.
كان كعادته وأستاذيته دقيقاً، ومحدداً فى تحليله، يحلل فى إطار معلومات يستقيها من مصادره الخاصة تارة، ومن مصادر الصحافة العالمية تارة أخرى..
وكان صاحب خلق قويم.. عفاً فى نقده رغم قوة ما يطرح.. نبيلاً فى اتهاماته.. يبغى الحقيقة، ويبغى الوئام قبل تسجيل المواقف لصالح هذا الطرف، أو ذاك..
أشعر أن هذا الرجل قد بلغ الذروة بأخلاقه، وفروسيته، وقدراته البارعة؛ فلم يتنازل أبداً عما يؤمن به؛ ولم يكن يوماً فى الطابور الخامس للسلطة الرابعة..
بارك الله فى هذا الرجل، وتقبل منه كل جهده، وصدقه، وثبته دائماً على الحق حيث كان.
(4) نعم.. أخطأ شباب القسام
حين ارتفع علم حماس على مبانى الأمن الوقائى كان هذا خطأً (وإن كان فردياً)..
وحين وصف ما حدث بأنه كفتح مكة؛ كان خطأ يستوجب الاعتذار..
وحين قـُتل القاتل سميح المدهون علناً وأمام الكاميرات؛ فذاك خطأ ثالث..
أعلم أن ما حدث لم يكن مرتباً؛ وأن ما فعله الآخرون أضعاف أضعاف ما فعله أبناء القسام؛ ولكن ديننا علمنا أن ننصح المخطئ، وعلمنا أن نرى الخطأ خطأ، وأن نرى الصواب صواباً..
والسلام
هذه الخواطر عن ضباط وجنود الأمن المركزى لم ترد على خاطرى وقتها؛ لأنها لو وردت لما فكرت فى خوض التجربة، فالتفكير الكثير يساوى التراجع، هكذا طبيعة الإنسان.
وقفنا أمام حاجز الأمن الأول، وبدأنا فى النزول من السيارة.. كنت حريصاً طبعاً على أن أحمل إحدى يدى الصندوق حتى لا أنكشف، وحمل اليد الأخرى الأمين "الفهلوى"، ومشى أمامنا القاضى، ووجدت الأمين "اللخمة" يمشى وراءى ويحاول أن يأخذ يد الصندوق منى ويقول لى: سيمنعوننى من الدخول، فقلت له بصوت خفيض: اصبر قليلاً وسنمر بإذن الله.
هنا لم تكن النهاية.. بل كانت بداية مسئولية تنتظر من يحملها بأمانة.. هنا كانت بداية الخطوة الأولى نحو غياب أهل المصالح.. الذين يعملون لأنفسهم، وعلى حساب وطنهم، وظهور من اختصهم الله بقضاء حوائج الناس..
كما تعرفت على أمينى سر اللجنة وهما موظفان عموميان من إحدى قرى محافظة الشرقية، تلمس فى وجوههما الطيبة الشرقاوية المعروفة.
وقد كنت أول مندوب فى لجنتى حيث لم يأت باقى المندوبين الممثلين لباقى مرشحى الإعادة.
قدمت للقاضى التوكيل الخاص بى من م/ إبراهيم أبو عوف (وهو من كشف خلال عضويته بالمجلس فضيحة القمح المسرطن) ، (وبالطبع كان هذا التوكيل صادراً من سجل مدنى المنزلة، وليس من سجل مدنى منية النصر حتى لا يرفض موظفو السجل اعتماده؛ لأننا كما نعرف فى بلد القانون!!) فسجله عنده فى السجلات الخاصة باللجنة، وسرعان ما أتى أحد المندوبين الآخرين، فسجل اسمه، وبذلك وقعنا على المحضر الرسمى للجنة، وقمنا بالتصويت قبل حضور الناخبين، وبالطبع كان أول صوت فى اللجنة للمهندس/ إبراهيم وهو بالطبع صوتى، وقلت: "افتتاحها مسك" إن شاء الله.
كان باقى اليوم مملاً.. حيث غاب المُصوتون؛ لأن المرشح "ابن البلد" قد خرج فى الجولة الأولى (وكأن المرشحين الآخرين من جمهورية الواق واق مثلاً)؛ فأصيب أهل البلد بالإحباط، ورفضوا الحضور، وقد حكى لى الإخوان أنهم يحاولون إخراج الناس بأى شكل؛ ولكن الرفض كان هو السائد.
فقد أثار (ابن البلد) الناس، وحفزهم لانتخابه (كى ينال حظ التصفيق فى المجلس لقرارات الحزب الوطنى المخربة للبلد)، ولكن لأنه "ابن بلدنا" لم يحصل على أصوات من البلاد الأخرى لأن لديهم "ابن بلدهم" أيضاً، وهذا من عميق الفكر الذى حبا الله به عباده!!!
وهو أمر غريب جداً أن تتحول مصر إلى مجموعة من البلاد، تسعى كل بلد إلى نفسها وحظها وأبنائها على حساب المصلحة العامة!!
ولكن على العموم هذه آفة الانتخابات فى مصر حيث تعلو العصبيات، ويغيب صوت العقل.
واستمر اليوم هكذا حيث زاد عدد الناخبين طوال اليوم فى لجنتى - بعد المجهودات المضنية التى بذلت لإحضار الناس - عن حوالى 150 ناخباً بقليل، وذلك بمعدل 15 ناخب فى الساعة الواحدة، مما جعل اليوم مملاً فعلاً.
ولكن رغم هذا الملل فقد رأيت المرشح (ابن البلد) وهو يمر على اللجان (لماذا؟!!!) وهو يخبر القضاة بأنه قد ظلم، وأنه صاحب الحق فى الإعادة، وأنه...، وأنه...، وقلت فى نفسى: لله فى خلقه شئون.
والغريب بأنى قد سمعت بأنه انتخب وبصوت عال مرشح الحزب الوطنى قائلاً: "وآدى صوتى للى زوروا له الانتخابات". ولأترك هذه بلا تعليق!!!!!!!
واسترجعت ما سمعته فى مؤتمرات (ابن البلد) من أحد المتحدثين (المتسلِّفين) من أن "ابن البلد" له ثلاثة حقوق (بالشرع طبعاً) حق الجيرة وحق الإسلام وحق القرابة (وهى والله نكتة لا تستحق التعليق).
وما سمعته (نقلاً) من أن أحد مشايخ الأوقاف (العلماء!!!) قد وصفه بأنه سابع(!!!) الخلفاء الراشدين (يا هوووووووووه!!!).
كما تذكرت كم التخويف الذى بثه أنصار (ابن البلد) للإخوان.. من التهديد الصريح بالضرب والإيذاء للنساء قبل الرجال لكل من يحاول منهم (فى الجولة الأولى) من الاقتراب من اللجان (كأنهم الصهاينة!!!).
رأيت كل ذلك أمام عينى وأنا أشاهد (ابن البلد)، وقلت: غفر الله للجميع.
كما أنى قد تعرفت على القاضى الفاضل بصورة أكبر بعد أن تجاذبنا أطراف الحديث، وعرفت منه أنه إنسان متدين جداً، وكذلك زوجه وأولاده.. وحمدت الله أن مصر ما زال بها أمثال هؤلاء الناس العظماء.
أما أمناء سر اللجنة فكانوا حكاية..
الأول كان لا يكف عن الأكل طوال اليوم، عرض عليه القاضى من طعامه فأكل، وعرض عليه أحد المندوبين فأكل، وكان معه طعامه الخاص به فأكل منه أيضاً.
وبالمناسبة فقد نسى الإخوان أن يحضروا لى طعاماً طوال اليوم؛ فظللت جوعاناً طوال اليوم، فقلت: الحمد لله!!!!
أما الثانى فقد كان ممن يسمون بـ "الفهلوية"، وممن يحبون الحكايات، والحديث عن البطولات.
ومن حكاياته: كيف شارك فى تزوير انتخابات الرئاسة، ووضع الأصوات بيده فى الصناديق، وكيف كان يشارك فى تزوير الانتخابات السابقة قبل إشراف القضاة، لذا فقد أصبح متخصصاً فى التزوير (بئس التخصص).
وقد اتهمنى هذا "الفهلوى" بأنى "مش مفتح دماغى" و"مش مطأطأ"؛ لأنى عطلته عن خداع القاضى أكثر من مرة بالوقوف على رأسه عند البحث عن أحد الأسماء؛ لأن سيادة الأمين كان يريد لحاملى الأسماء الخاطئة (أو المزورة) أن يوقعوا مكان أسماء أخرى مستغلاً بعد القاضى عنه عند البحث عن الأسماء.
وقال لى: أنه يفعل ذلك للمصلحة؛ لأن الحزب الوطنى يزور، ويمنع الناس من الدخول، و...؛ فأخبرته: أنى مستغن عن شرف "تفتيح الدماغ" و"الطأطأة" لأنها ليست من أخلاقنا ولا من ديننا.
ومن الأحداث المثيرة المحزنة فى هذا اليوم اتصال بعض الزملاء لإخبارى بما حدث فى برمبال - بلد مرشح الإخوان - من ضرب بالرصاص الحى، وإصابة بعض الأهالى بإصابات خطيرة، وحاجة بعضهم العاجلة لنقل الدم لتعويض النزف..
وقلت: يا سبحان الله.. أيقتل الناس بهذه السهولة؟ ولأجل ماذا؟
هل عضوية مجلس الشعب تستحق أن تسفك الدماء من أجلها؟
ألهذا الحد يخافون من الحرية؟ يخافون من كشف الفساد؟

كانت الأجواء المحيطة بهذا التحقيق - أو بمعنى أدق هذه المغامرة - ملتهبة جداً..


- رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى هو رئيس نادى السيارات.
- وزير العدل يستخدم أصبعه بصورة غير مهذبة داخل مجلس الشعب.
- وزير العدل، ورئيس المحكمة الدستورية العليا السابق يرفض تنفيذ أحكام القضاء الإدارى.
- النائب العام الحالى كان عضواً سابقاً بمجلس إدارة النادى الأهلى.
- النائب العام السابق واللاحق لم يحققا فى أى قضية ضد الحكومة، وضد التعذيب، وضد التزوير حتى ولو من باب ذر الرماد فى العيون.
- قاضى النقض فى دائرة دمنهور يقول أن الانتخابات لم تزور، رغم إقراره بأن أكثر من ثمانين بالمائة من استمارات فرز اللجان الفرعية غير موقعة من القضاة الذين ترأسوها أى أنها قد بدلت من قبل وزارة الداخلية.
- الدائرة القضائية التى حكمت بتأييد الحجز على أموال الإخوان المحالين للمحكمة العسكرية هى نفس الدائرة بأعضائها التى حكمت على سعد الدين إبراهيم، وعلى صحفييى الشعب، وعلى صحفييى المصرى اليوم، وعلى أيمن نور (طبعاً مصادفة عجيبة جداً!!!!)، وعضو اليمين فى الدائرة هو الذى قام - بحسب قائمة نقابة المحامين - بتزوير انتخابات دائرتى كرداسة، والمنصورة.
- لأول مرة فى تاريخ المحكمة الإدارية العليا يتم الحكم فى طعن على حكم من القضاء الإدارى خلال أسبوع واحد.
- كل أعضاء دائرة المحكمة الإدارية العليا التى خصصت لإلغاء طعن محكمة القضاء الإدارى موظفون لدى وزارت حكومية.
- إحدى القاضيات الجدد اللاتى تم تعيينهن فى سلك القضاء حصلت على ليسانس الحقوق فى أكثر من عشر سنوات؛ ولكن لأنها بنت أحد مستشارى الحكومة فقد تم تعيينها قاضية!!!!!
ترى ماذا بقى للقضاء بعد ذلك؟!!
وترى: ماذا بقى للدولة التى انهارت سلطتها التشريعية الحقيقية منذ ثورة يوليو، وانهارت سلطتها التنفيذية؟!!.
ترى: ماذا بقى إذن لهذه الدولة من دعائم؟!!
هل بقيت لها العصا؟!!
أم بقيت لها السجون؟!!
إخوانى.. أخواتى
إن وطننا الذى أحببناه ينهار، وتتقوض دعائمه؛ فهل بقى لنا من حجة نخفى بها تخاذلنا؟
طريقنا طويل؛ ولكن لابد أن نسير فيه، ونصبر عليه، ونعيش له.

إخوانى.. أخواتى
هذه بلدكم، فلا تتأخروا فى إنقاذها.