الجمعة، ٢٥ مايو ٢٠٠٧

وزارة شؤون الكنيسة

كثيراً ما أرى فى طريق سفرى مسجداً فخماً ذا مئذنة عالية، وقبة ملونة قد أنفق عليه عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من الجنيهات، وذلك وسط مربع سكنى لا يتجاوز عدد بيوته الخمسة بيوت تقريباً إن لم يكن أقل.

وكنت أسأل نفسى:
أليس هذا تبذيراً يأباه الله عز وجل؟
ألم يكن من الأولى أن تذهب هذه الأموال لمستشفى ينقصه جهاز غسيل كلوى؟ أو إلى مدرسة تهالكت جدرانها، وقل عدد فصولها؟ أو إلى شباب يريدون الكسب، أو التعفف؟
أيرضى الله عز وجل ببناء بيته بهذه الآلاف المؤلفة، وهناك آلاف إن لم يكن ملايين من المسلمين يحتاجون من يسد جوعتهم، ويستر أجسادهم، ويداوى أبناءهم وآباءهم؟

وكما أعلم - ويعلم غيرى - أن الأحكام الشرعية قد تنتقل ما بين الحِل والحُرمة، والنـَدب والكراهة، والجواز باختلاف الحال، والزمان، والمكان؛ فقد يكون الشىء مندوباً فى موطن، ومكروهاً فى موطن آخر، وقد يكون حراماً فى موضع ثالثٍ، وهكذا..
فإن كان بناء المساجد مندوباً فى بقعة ليس بها مسجد، أو ضاق مسجدها بالمصلين؛ فإنه يصير مكروها فى بقعة أخرى امتلأت بالمساجد، حتى صار كل مسجد يستقبل عشرة أو عشرين مصلياً.

أذكر أنى قد شاركت فى وأد فكرة لإقامة صلاة الجمعة فى مصلى صغير بجوار منزلى فى بلدى؛ بأن أقنعت المصلين: بكون المصلى الذى لا يتسع بالكاد إلا لخمسة وعشرين مصلياً لا يصح أن يكون سبباً فى تفريق المسلمين عن صلاة هى أساساً لتجميع المسلمين على كلمة واحدة، ومنبر واحد، ومكان واحد.. قلت لهم أن المصلى كاف لتقام فيه الصلوات الخمسة، أما الجمعة فلتقم فى المسجد الجامع الذى لا يبعد عن مصلانا سوى مائتى متر، وقد اقتنعوا، والحمد لله، وظل المسجد حتى الآن للجماعة فقط دون الجمعة.
وما أعرفه أيضاً أن المبالغة فى تزيين المساجد مكروه، وأن المساجد على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وسلفه الصالح كانت بسيطة فى بنائها، غير متكلفة ولا مُزَيـَّنة، وظل الوضع هكذا حتى جاء خلفاء بنى أمية، وخالفوا السنة بهذه المبالغة فى التزيين، والإنفاق على المساجد، وأجاز بعض الفقهاء ذلك حتى لا يقل شأن المساجد عن غيره من دور العبادة الأخرى؛ أى أن الأصل هو البساطة، وليس العكس.

أقول هذه المقدمة - الطويلة نسبياً - كمدخل أراه مناسباً لموضوع بناء الكنائس، وما يستصحبها دائماً من ضجيج، وجلبة، وصياح، وإصابات فى الأرواح، والمساكن، والعلاقات بين أهل البلد الواحد.

فأنا أرى أن الإسلام أحرص ما يكون على أن يقيم أهل الديانات الأخرى صلواتهم، وعباداتهم فى أماكن يجتمعون فيها آمنين مطمئنين ما دام ذلك فى إطار العبادة.
كما أن سلفنا الصالح قد فعلوا ذلك؛ فلم نسمع عن كنيسة هدمت، أو رهباناً شردوا.
وظل الأمر فى إطار واحد هو الاحتياج؛ فإن كثر أهل النصرانية فى مكان ظل مكان عبادتهم مصوناً محمياً من الدولة الإسلامية، ومن المسلمين أنفسهم، وإن انعدم هذا العدد بدخول أهل البلد فى الإسلام ما عاد هناك داعٍ لبقاء الكنيسة.
هكذا صار الأمر، واستقر الوضع؛ فبقى دير سانت كاترين كما هو، وبقيت كنيسة القيامة، وغيرهما شاهدين على عظمة هذا الدين، وعظمة أهله، ورفقهم بغير المسلمين فى مجتمع يسوده البر والقسط كما أمر الله بهما.

أما الآراء الشرعية التى قال بها بعض الفقهاء فى قديم الزمان فكانت اجتهاداً، لا نصاً.. اجتهاداً بنى على ظروف وعوامل بيئية، ومجتمعية، وظروف خارجية محيطة قد تضطهد المسلمين، وتمنع دعوة الله للوصول إلى الناس.
وهذه الفتاوى المبنية على الاجتهاد دون النص (القطعى الدلالة القطعى الثبوت) لا تلزم أحداً فى عصر غير العصر التى صدرت فيه، ولا بشراً غير البشر الذين عاشوا ظروفها. ويبقى دائما النص (قطعى الثبوت قطعى الدلالى) هو المنبع الصافى الذى نرجع إليه دائماً، نستشهد به، ونسير على دربه.

وأما تحريق البيوت بهذا الشكل الذى رأيناه على شاشات التليفزيون، فهو مما يخالف البر الذى أمرنا الله به، وعلمناه من فعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع غير المسلمين فى المجتمع المسلم؛ فهو فعل يستحق صاحبه العقاب، بل والعقاب الشديد لأنه قد آذى أبرياء، واقتحم عليهم بيوتهم، ودورهم بشكل همجى لم نعلمه قط من مسلم صحيح الإسلام، ومؤمن صحيح الإيمان.
فأنا أحسب أن هذه الأفعال ما هى إلا أفعال غوغاء، يحركها التعصب لا الدين.. يحركها حب الذات لا حب الله.. يحركها الجهل لا العلم.. يحركها الكره لا الدعوة..

قد يسأل قارئ عن العلاقة بين المقدمة، وبين صلب الموضوع، والعنوان؛ ولكن من يدقق النظر فى الأمر، سيجد أن الحل ما هو إلا بقانون واحد لبناء دور العبادة يحكمه قاعدة واحدة فقط هى الحاجة.. حاجة المكان، وأهل المكان؛ فإن كان المكان غير محتاج لبناء مسجد فليمنع بناء المسجد؛ وإن المكان محتاجاً لبناء كنيسة فلتبنى الكنيسة.

ما المانع فى ذلك؟
هل يغضب أحداً أن يجد الآخر مكاناً يتعبد فيه بطريقته التى سيحاسبه الله فقط عليها؟

هذا ما أعتقده وأراه قابلاً للتنفيذ؛ ولكن كى لا يكون الكلام تحليقاً فى دنيا الأوهام، وبعيداً عن أرض الواقع فإن هناك بعض الأمور التى تحتاج إلى تحرير:

أولها: أن الدولة صارت خصماً للطرفين.. للمسلمين، وللمسيحيين على السواء؛ فالأولون يرون الدولة خاضعة لحرب عالمية على الإسلام، وعلى مناسكه، وشعائره، وأحكامه وتشريعاته، والآخرون يرون الدولة إسلامية تضطهد أبناء الكنيسة، وتحرمهم من الوظائف، ودور العبادة، وتسكت على ما يسمونه خطفاً لأبنائهم، وبناتهم.
لذا فالدولة بوضعها الحالى غير مؤتمنة على تطبيق هذا القانون الذى لا بد أن يسرى على الجميع، دون شك، ولا اتهام..
دولة قوية لا يحكمها إلا القانون؛ فلا يستطيع أن يغيرها تليفون من مسئول، ولا تقرير من جهاز أمنى موتور.
لذا فالمسلمون، والمسيحيون محتاجون إلى تغيير الوضع القائم الذى يهدم فكرة القانون من أساسها.. يهدم فكرة العدل، والمساواة.

ثانيها: أن الكنيسة صارت تتعامل على أن لها شعباً اسمه شعب الكنيسة، وصارت هذه الكلمة متداولة على صفحات الجرائد؛ رغم أن هذه الكلمة تهدم فكرة المواطنة التى ما فتأ المفكرون الأقباط، والعلمانيون فى الطنطنة بها، وحولها ليل نهار..
فأى مواطنة إذن وهناك شعب داخل شعب.. وشعب له قيادة يتعامل معها على أنها الكفيلة بحمايته، وطلب حقه من الدولة الأم.

ثالثها: أن شؤون الكنيسة لا بد أن تكون جزءاً من هذه الدولة المنشودة.. دولة القانون، والمساواة..
وبالتالى فشؤون الكنيسة لا بد أن تتابعها وزارة من وزارات الدولة، لا جهاز أمن الدولة؛ وبالتالى فهذه الوزارة تتولى متابعة ما يحدث داخل الكنيسة شأنها شأن المساجد التابعة لوزارة الأوقاف (أو وزارة شئون الأزهر كما نأمل فى الدولة المأمولة)..
تخضع هذه الوزارة، ووزيرها لرقابة مجلس الشعب شأنها شأن سائر الوزارات، ويُقوَّم الخلل فيها كما فى غيرها.. تخضع للجهاز المركزى للمحاسبات كما تخضع كافة أجهزة الدولة.. تعرف الميزانيات، والتبرعات من أين أتت؟ وفيم أنفقت؟
يحصل منتسبوها، ورجال الدين فيها على مرتباتهم من أوقاف هذه الكنيسة الخاضعة للدولة، ويخضعون لنفس الدرجات المالية التى يخضع لها زملاؤهم من المسلمين.
وبهذا تختفى الخرافات، والأساطير، والحكايات التى تروى عن الكنائس وما يحدث بداخلها، وما ينفق عليها.

رابعها: أن يعلم كل طرف من الطرفين أن التدين نعمة، لا نقمة.. وأن إبعاد الدين عن ساحة المسلمين هو خطر على المسيحيين؛ وأن إبعاد الدين عن حياة المسيحيين هو خطر على المسلمين؛ لأن الجهل حينها سيكون هو الحكم، وأن التعصب حينها سيكون هو الشرر الذى تنلدع منه نار الطائفية.

خامسها: أن تبتعد الكنيسة، والأزهر عن القيام بدور التابع فى الحياة السياسية؛ وذلك بمساندة طرف دون طرف، أو الوقوف مع حزب على حزب آخر.
ولتلعب وقتها المؤسستان دورهما ككيانين مستقلين يدفعان الأمة فيما اتفقت عليه من حفاظ على قيمها، وأخلاقها، والوقوف ضد أعدائها، وليبتعدا عن الحزبية الضيقة التى تستغلها الدولة الحالية فى إقصاء منافسيها.
ولكى أكون أكثر وضوحاً فإن ما فعله الأزهر، والكنيسة فى الانتخابات الرئاسية، والبرلمانية الماضيتين أمر يثير الفرقة، ويثير الحساسية لدى الطرفين.

هذا ما أردت أن أقوله فى هذه الأزمة التى تكررت كثيراً، وستتكرر أكثر إذا ما لم تحرر مثل هذه الأمور التى تزيد الاحتقان، وتنفخ فى الرماد.
والله من وراء القصد..
والسلام

الاثنين، ٢١ مايو ٢٠٠٧

الكشف عن وثيقة خطيرة للإخوان - أركان الإيمان الستة

فى ضربة جديدة وجهها الصحفى الكبير (فى السن!) حمدى بيه رزق (وبيه هذه بحكم الوظيفة) من خلال مجلة "المصور" التى اعتادت كشف أسرار ووثائق جماعة الإخوان (المحظورة!) الوثيقة تلو الوثيقة..

كشفت المجلة - والتى يزيد عدد قرائها عن الخمسة قراء للعدد الواحد، وعن العشرة فى حالة الأعداد الخاصة بكشف الوثائق التى ينفرد بها دائما هذا الصحفى الكبير (فى السن!) - فى عددها الأخير عن وثيقة جديدة من وثائق الإخوان تحمل عنوان "جامعة الأزهر - كلية أصول الدين".

وتعد هذه الوثيقة هى الوثيقة الثانية التى تكشفها المجلة لقرائها (الذين يتجاوزون الخمسة، أو العشرة) بعد كشف "وثيقة التمكين" التى صدرت مذيلة بتوقيع النائب الثانى للمرشد (إى والله: توقيع بخط اليد!!!)، والتى علاها عنوان موقع الإخوان (ikhwanonline.com) رغم إنشاء الموقع بعد تاريخ الوثيقة بعشرة أعوام (نعم، بعشرة أعوام!!!!!!)، والتى كشفها الصحفى (ذو الشعر الأبيض) منذ أعوام قلائل، رغم اعتماد الجماعة لهذه الوثيقة منذ 15 عاماً على حد تاريخ الوثيقة..

والوثيقة الجديدة لجماعة الإخوان هى خطة اختراق جامعة الأزهر عامة، وكلية أصول الدين خاصة..

هذه الوثيقة - ويا لهول ما فيها - كشفت النقاب عن سر جديد من أسرار هذه الجماعة، وهو أن لديها أركاناً تسمى أركان الإيمان!!!!..
أينعم! أركان الإيمان!!!!
أقول: أركان الإيمان!!!!!

وقد تساءل الصحفى الكبير (فى السن!) عن ماهية أركان الإيمان تلك..
وهل هذه الأركان هى نفس أركان الإسلام، أم أنها أركان جديدة خاصة بالجماعة؟
وإن كانت هى نفس أركان الإسلام، فما هو الركن السادس؟ ولماذا سميت بأركان الإيمان؟
وهل الركن السادس هو الإيمان بالإخوان؟
أسئلة كثيرة طرحا الصحفى الكبير (فى السن!) على قارئى المجلة (الذين يتجاوزون الخمسة بقليل) فاضحاً جماعة الإخوان، وأهدافها الخفية، ومدى علاقتها بالدين الذى تدعى الإيمان به.

وأنا من هذا المنبر، وإيماناً بدورى فى المجتمع، وحرصاً على الحقيقة (ولا شىء غير الحقيقة) أطالب جماعة الإخوان بالكشف عن هذه الأركان فوراً، وأن تصدر الجماعة بياناً للأمة توضح فيه:
1- ما هى أركان الإيمان؟
2- ولماذا اختصت الجماعة أفرادها فى كلية أصول الدين بجامعة الأزهر بتعلم هذه الأركان؟
3- وما الفارق بينها وبين أركان الإسلام؟
4- وإن كانت هى نفس الأركان: فلماذا اختارت لها هذا الاسم؟
5- وفى هذه الحالة: فما هو الركن السادس؟

وأنا أحذر قيادة الجماعة من التعامل باستهتار مع هذه القضية الخطيرة التى تمس أصلاً من أصول الدين، وتمس أفرادها الذين اتهمتهم هذه الوثيقة بتعلم أركان الإيمان!!!!!!

كما أدعو أبناء الإخوان - المدونين منهم والمدونات، والقارئين منهم والقارئات، الشباب منهم والشابات - إلى التظاهر أمام مكتب الإرشاد لتبيان الحقيقة كاملة عن أركان الإيمان، ومحاسبة واضع هذه الوثيقة بعد الكشف عن اسمه..

كما أطالب الأزهر بأن يضطلع بدوره التاريخى فى فضح الإخوان، والتحذير من خطرهم؛ لإيمانهم بأركان الإيمان الستة، والتى تختلف بدورها عن أركان الإسلام الخمسة.. وأدعو شيخ الأزهر ورئيس جامعته (بعد أن يفرغ من القضاء على طلبة الإخوان فى الجامعة) ومفتى الديار المصرية إلى التصدى لهذه الفئة المؤمنة (بأركان الإيمان الستة) لما فيها من خطر عظيم على وحدة الأمة، والدين، والوطنية!!!!

وإنى إذ أحيى هذا الصحفى الكبير (فى السن!) على مجهوداته فى كشف وثائق هذه الجماعة تباعاً؛ فإنى أدعو إلى استحداث جائزة "هبل تيرز" للتميز الصحفى والتى تناظر جائزة "بوليترز" الأمريكية الشهيرة..
وأطالب بأن يكون أول الحاصلين عليها هو هذا الصحفى الكبير (فى السن!) على أن يمنح هذه الجائزة بوصفه: حامى حمى الإيمان، وكاشف البدع، والإخوان.

والله من وراء القصد..
والسلام

الأربعاء، ١٦ مايو ٢٠٠٧

حكايات من فسادستان (2) - مصر تنافس الهند

كانت حكايتى الأولى من حكايات فسادستان على لسان شريف سائق البيجو..
أما حكاية هذه التدوينة فعلى لسانى أنا شخصياً..
حكاية فسادستانية حدثت لى، وحصلت لمئات إن لم يكن لآلاف من الشباب المصرى خلال الخمس سنوات الماضية..
- تبدأ الحكاية بإعلان عن مشروع (قومى!!!) بين وزارة الاتصالات وبعض الشركات العالمية الكبرى فى مجال تقنية المعلومات (مايكروسوفت، وIBM، وغيرهما) لتدريب خمسة آلاف شاب مصرى على تقنية المعلومات فى مجالات متعددة (Web Development، والتجارة الإليكترونية، والشبكات، والبرمجة، وقواعد البيانات، وغيرها).
- كنت وقتها أعمل مهندساً فى وظيفة مكتبية لإحدى الشركات الناجحة متوسطة الحجم فى القاهرة، فتقدمت للإعلان بحثاً عن تغيير مجالى المهنى الذى لا أحتفظ معه بعلاقة جيدة، ولحبى النسبى للعمل فى مجال البرمجة أو تقنية المعلومات بصفة عامة.
- تقدمت بأوراقى، ودخلت الامتحان، وأعجبنى أن يتم الامتحان فى اللغة، والخلفية البسيطة عن الكمبيوتر، وامتحان الذكاء (IQ).
- اجتزت الامتحان وحصلت فيه على درجة جيدة أهلتنى للالتحاق بالرنامج، واخترت مجال الـ Web Development الذى تشرف عليه شركة IBM.
- لم أبلغ شركتى بهذه التطورات حتى أطمئن لجدية البرنامج، وأعلم الترتيبات الخاصة به، وإمكانية التوفيق بينه وبين عملى.
- تم الإعلان عن لقاء تجميعى للناجحين فى قاعة إحدى المدارس بمدينة نصر، وحضرت هذا اللقاء الذى تكلم فيه أحد المسئولين من وزارة الاتصالات عن البرنامج، وكان كلامه ساحراً بمعنى الكلمة!!
- تحدث هذا الرجل بسلاسة عن مصر، وفرصها السانحة والكبيرة فى مجال البرمجة، وعن العقول المصرية، وإمكانياتها الخلاقة، وعن بعض التجارب لبعض الشركات الأجنبية الكبرى فى مجال تقنية المعلومات مع المبرمجين المصريين وعن اندهاش هذه الشركات من مستوى الأداء الذى قدمه المصريون مما جعلها ترفع عدد العاملين فى مكتبها فى القاهرة من 4 إلى 10، وهى فى طريقها لزيادتهم إلى 50 فرداً.
- وتحدث الرجل أيضاً عن أننا سوق واعد فى هذا المجال، وأننا الوحيدون المؤهلون لمنافسة الهند - التى كانت وقتها تصدر برامج بما يعادل 6 مليارات دولار تقريباً. فعلى حد قول الرجل: نحن لدينا العقول، ولدينا الرغبة والجدية الحكومية للاستمرار فى هذا المجال غير المكلف استثمارياً.
- عشت مع الرجل بكل حواسى - رغم عدم ثقتى فى أى مسئول حكومى؛ لكن حماسة الرجل، ومنطقيته فى الحديث أغرقانى فى الأوهام، والأحلام.
- رجعت من اللقاء التجميعى، وقد اتخذت قرارى بترك عملى رغم أنى قد حصلت عليه بعد عناء استمر عامين فى التنقل من عمل إلى آخر ما بين مهندس للمبيعات تارة، وبين مهندس تشغيل فى أحد المصانع الحربية تارة أخرى. وقد تركت العملين لضآلة المرتب، ولعدم قناعتى بعملى كمهندس للمبيعات، أو بالعمل فى مصنع حربى أضع فيه يدى على خدى طوال اليوم دون عمل، ودون تطور، وأحصل فى النهاية على 340 جنيهاً لا غير.. أصرفها كلها تقريباً فى المواصلات.
- كان قراراً قاسياً على نفسى، وعلى مستقبلى؛ ولكنى كنت على قناعة أن الطموحات لا تتحقق إلا بالمخاطرة.
- أبلغت صاحب العمل - الذى أكن له تقديراً شديداً - بقرارى، وطلب منى شاكراً أن أعمل معهم بالوقت (part time)، ووافقت.
- كنت قد اخترت مكاناً قريباً لسكنى؛ ولكنى فوجئت بوضعى فى أحد المراكز فى شبرا وتحديداً المظلات، وعلمت بعد ذلك أن أخطاء قد حصلت فى التوزيع، وأن التوزيع يتم حسب الترتيب فى نتيجة الامتحان؛ ولذا فمن حقى أن أتظلم من هذا الاختيار، وأن أغيره؛ ولكن بعد أن ذهبت إلى المركز التدريبى ارتحت نفسياً للمكان؛ فآثرت البقاء به.
- هنا بدأت المفاجآت تتوالى.. فقد فوجئت أن دور IBM فى الأمر إشرافى فقط؛ فليس لهم أى دور فى اختيار المدرسين (instructors).
- والمفاجأة الأخرى أن زملائى الذين قاربوا على الثلاثين متدرباً ليس بينهم إلا مهندسة واحدة؛ أما الباقون فعلاقتهم بالبرمجة، وتقنية المعلومات تقتصر على الشات، وكتابة الإيميلات، وهنا شعرت أن الأمر يسير فى الطريق الخطأ.
- والثالثة أن البرنامج التدريبى يشتمل على كل شىء تقريباً له علاقة بالكمبيوتر!!!، فالبرنامج يحتوى على الماود التدريبية التالية:
- مقدمة نظرية عن أنظمة التشغيل (operating system).
- البرامج المكتبية (الأوفيس).
- الكتابة باستخدام الـ HTML.
- مقدمة عن البرمجة (لغة C).
- الشبكات (Network).
- إدارة الشبكات (Windows 2000 Server) .
- لغات برمجة الويب التالية:
- Java Script.
- VB Script.
- Java.
- Perl.
- PHP.
- ASP.
- الكتابة الفنية بالإنجليزية (Technical Writing).
- إدارة المشروعات (Project Management).
- التسويق (Marketing).
- التجارة الإليكترونية (E-Commerce).
- كان هذا جنوناً بمعنى الكلمة أن ندرس كل هذه الأشياء فى 6 أشهر.. نعم فى ستة أشهر فقط.. ثلاثون كتاباً مطلوب منك أن تحصلهم فى هذه المدة الزمنية القصيرة، ورغم ذلك أقنعونا أن هذا هو ما يحدث فى الغرب، والدول المتقدمة!!! وأن طريقة تعليمنا فقط هى السبب فى عد تأقلمنا على هذا الوضع.
- قررت حينئذ عدم الذهاب لعملى السابق حتى بالوقت لكى أستطيع التفرغ لهذا البرنامج، رغم احتياجى المادى فى هذا الوقت.
- زاد من الوضع سوءاً أن معظم المدرسين كانت قدراتهم متواضعة إلا القليل منهم الذى قد نستفيد منه وقت الشرح؛ لكنه ولظروف وقت البرنامج المضغوط لا يستطيع أن يتواصل معنا.
- كانت علاقة زملائنا غير المهندسين بالبرمجة كعلاقتى بالطب تماماً؛ لذا فقد كان هناك فاقد كبير من الوقت فى شرح ما هو بدهى، وأساس فى هذا المجال.
- اكتشفت بعد فترة ليست طويلة أن الأمر لم يكن إلا صفقة تجارية غُرر بنا فيها.
- حتى الشهادات التى حصلنا عليها (CIW) أصبحت امتحاناتها محفوظة، ومكررة؛ حتى أنى أخذت من زملائى مجموعة من الأسئلة فى الامتحان الثانى لم تتجاوز الستين سؤالاً، جاء منها كل أسئلة الامتحان نصاً دون تغيير حرف واحد فى صيغة أى سؤال.
- أما المهزلة الكبرى فكانت فيما يسمى بمشروع التخرج.. فقد أخذنا الأمر بحماسة - لا نملك ترف التنازل عنها - أملاً فى تبنى الوزارة لأحد مشروعاتنا، وتطويرها كما قيل لنا، وبذل كل منا جهداً فى إطار الإمكانيات الفنية، والعلمية التى أتيحت لنا؛ وكانت الكارثة يوم عرض المشاريع..
- كان المُحكمون من غير ذوى المعرفة بالمجال الذى تدربنا فيه، فكانت تعليقاتهم من قبيل "البتاع ده شكله حلو"، أو "ده كان ممكن يبقى أحسن من كده"، أو "ده مالوش لازمة".
- وهنا تبخر آخر أمل.
- على هامش الستة أشهر كانت هناك بعض المحاولات من بعض الزملاء لتصعيد الأمر ضد إدارة المركز، وبالفعل تقدموا بشكوى للوزارة، ولشركة IBM؛ ولكنى كنت قد أدركت أن الأمر أكبر من ذلك، فقد ذهبوا بالشكوى للفاعل الرئيس الذى تسبب فى كل هذه المهازل، وما عدا ذلك من مشاكل فهى فروع من أصل.
- أنهينا فترة التدريب، وبقيت على اتصال ببعض الزملاء، وتأكدت منهم أن أياً من الدارسين لم يعمل فى مجال تقنية المعلومات أبداً؛ فمن كان محاسباً بقى محاسباً، ومن كان عاطلاً بقى عاطلاً، ومن كان مهندساً مثلى عاد مرة أخرى للبحث عن العمل فى مجاله الأصلى.
- كانت فترة عصيبة جداً تنم عن مدى التخلف، واللا تخطيط الذى نرسف فيه، ما دامت هذه العقول تدير هذا البلد.. عقول خربة لا يشغلها إلا تحقيق المكاسب المادية المباشرة، والعملات، والصفقات.
- لم يُحاسب أحد على هذه الأموال المهدرة، وعلى هذه الطاقات التى استهلكت دون تخطيط، ولا ترتيب..
- ومن الأمور المضحكة أن الوزارة كانت قد قررت لكل متدرب 300 جنيه شهرياً، عندما ذهبنا لصرفها فوجئنا أنها 240 جنيهاً فقط، لماذا؟ لأنهم خصموا ستين جنيهاً لحساب الضرائب!! ماذا؟ ضرائب.. إى والله .. ضرائب!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
- كتبت كلاماً شبيهاً لما فى هذه التدوينة - للأسف لم أحتفظ به، وأرسلته للأستاذ/ جمال غطاس مدير صفحة تقنية المعلومات فى الأهرام، ورئيس تحرير مجلة لغة العصر لاحقاً.. أخبره فيه عم حدث، وممنياً نفسى أن يثار هذا الموضوع حتى يعاد النظر فيه..
- حدثته عن:
- العدد الكبير الذى تم اختياره دون أى تخطيط، أو ترتيب.
- نوعية الأفراد المختارين للتدريب.
- إهمال الوزارة.
- استهتار شركة IBM فى التعامل مع الأمر.
- عدم جاهزية السوق المصرى لاستيعاب هذا العدد الكبير من العاملين فى هذا المجال.
- فوجئت بعدها بأسبوعين بمقال للأستاذ/ جمال عن عظمة المشروع، وعن التطور الكبير الذى ستشهده مصر، وعن مدى الإنجاز الذى حققته الوزارة، وعن، وعن، وفى نفس الوقت تحدث عن المغرضين، والمشككين، و...
- كان مقاله أشبه بأغنية من أغانى النفاق الأزلى الذى تتمتع به مصر.
أظن أن ما حدث لا يحتاج تعليقاً..
إخوانى.. أخواتى
فى النهاية بقيتت الهند هنداً، وبقيت مصر ........ مصراً!!!!!

الثلاثاء، ١٥ مايو ٢٠٠٧

القضاء على القضاء = القضاء على الدولة


ما حدث فى المحكمة الإدارية العليا يوم الاثنين الماضى يسير بنا فى طريق الانهيار النهائى لمصر التى كانت تحتفظ بقدر يسير من مكونات ما يطلق عليه لفظ "الدولة" فى هذه المنطقة من العالم.

كان لدينا قضاء نتباهى به، وإليه نلجأ حين تظلمنا السلطة التنفيذية الغاشمة..

كنا نتباهى بأن لدينا قضاء يجبر رأس الدولة إلى اللجوء للقضاء الاستثنائى؛ لأنه لا يستطيع السيطرة على القضاء الطبيعى..

نعم، أقولها وبكل حسرة: كنا.. كنا!!!
نعم، ما زال لدينا قضاة شرفاء، ما زال لدينا الخضيرى، والبسطويسى، ومكى، والحسينى، وغيرهم، وغيرهم..

ولكن لم يعد لدينا قضاء بالشكل الذى كان..

ولنقرأ هذه العناوين الصغيرة من الصحف لنعرف ما وصل إليه قضاؤنا الذى كان.


- رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى هو رئيس نادى السيارات.

- وزير العدل يستخدم أصبعه بصورة غير مهذبة داخل مجلس الشعب.

- وزير العدل، ورئيس المحكمة الدستورية العليا السابق يرفض تنفيذ أحكام القضاء الإدارى.

- النائب العام الحالى كان عضواً سابقاً بمجلس إدارة النادى الأهلى.

- النائب العام السابق واللاحق لم يحققا فى أى قضية ضد الحكومة، وضد التعذيب، وضد التزوير حتى ولو من باب ذر الرماد فى العيون.

- قاضى النقض فى دائرة دمنهور يقول أن الانتخابات لم تزور، رغم إقراره بأن أكثر من ثمانين بالمائة من استمارات فرز اللجان الفرعية غير موقعة من القضاة الذين ترأسوها أى أنها قد بدلت من قبل وزارة الداخلية.

- الدائرة القضائية التى حكمت بتأييد الحجز على أموال الإخوان المحالين للمحكمة العسكرية هى نفس الدائرة بأعضائها التى حكمت على سعد الدين إبراهيم، وعلى صحفييى الشعب، وعلى صحفييى المصرى اليوم، وعلى أيمن نور (طبعاً مصادفة عجيبة جداً!!!!)، وعضو اليمين فى الدائرة هو الذى قام - بحسب قائمة نقابة المحامين - بتزوير انتخابات دائرتى كرداسة، والمنصورة.

- لأول مرة فى تاريخ المحكمة الإدارية العليا يتم الحكم فى طعن على حكم من القضاء الإدارى خلال أسبوع واحد.

- كل أعضاء دائرة المحكمة الإدارية العليا التى خصصت لإلغاء طعن محكمة القضاء الإدارى موظفون لدى وزارت حكومية.

- إحدى القاضيات الجدد اللاتى تم تعيينهن فى سلك القضاء حصلت على ليسانس الحقوق فى أكثر من عشر سنوات؛ ولكن لأنها بنت أحد مستشارى الحكومة فقد تم تعيينها قاضية!!!!!

ترى ماذا بقى للقضاء بعد ذلك؟!!

وترى: ماذا بقى للدولة التى انهارت سلطتها التشريعية الحقيقية منذ ثورة يوليو، وانهارت سلطتها التنفيذية؟!!.

ترى: ماذا بقى إذن لهذه الدولة من دعائم؟!!

هل بقيت لها العصا؟!!

أم بقيت لها السجون؟!!

إخوانى.. أخواتى

إن وطننا الذى أحببناه ينهار، وتتقوض دعائمه؛ فهل بقى لنا من حجة نخفى بها تخاذلنا؟

طريقنا طويل؛ ولكن لابد أن نسير فيه، ونصبر عليه، ونعيش له.


إخوانى.. أخواتى

هذه بلدكم، فلا تتأخروا فى إنقاذها.

السبت، ٢٨ أبريل ٢٠٠٧

الانتماء

صليت الجمعة الماضية فى مسجد معهدى الذى تلقيت فيه تعليمى الأساسى وجزءً من تعليمى الثانوى.. ظللت فيه عشر سنوات كاملة بحلوها ومرها..
نظرت إلى حوش المعهد، حاولت أن أتذكر الماضى، حاولت أن أكون منتمياً إلى هذا المعهد؛ ولكنى لم أستطع، ولم أفرح لأنى رأيت معهدى الذى ترعرعت فيه..
حاولت كثيراً أن أتذكر، ولكنى فشلت، وبدلاً من أن أتذكر ما سرنى، تذكرت ما ساءنى..
تذكرت مدرس اللغة العربية فى الابتدائى وهو يحاربنى لأنى لا آخذ درساً عنده ولا عند غيره.. تذكرت وهو يعطينى 55% من درجات أعمال السنة رغم أنى أول فصلى، ثم يقول لمن جاء يسأله من أقاربى عن السبب: أن هذه الدرجة مجاملة.. تذكرت وقع ذلك الظلم على طفل صغير؛ لأنه حافظ على حقه فى أن يأخذ درساً أو لا يأخذ..
تذكرت وأنا فى الصف الأول الإعدادى وقد صفعنى مدرس العلوم على وجهى لأن كرسيه متسخ بالتراب؛ لأنى كنت رائد الفصل؛ وكأن رائد الفصل هو كنـّاس الفصل.. تذكرت وقد امتنعت بعدها عن ريادة الفصل فى أى سنة بسبب هذا الموقف الذى لم ينمحِ من ذاكرتى حتى الآن.
تذكرت حلمى بأن أكون من أوائل الجمهورية، أو حتى المحافظة فى الشهادة الإعدادية، وأجدنى وقد تبخر هذا الحلم أمام عينى وأنا أشاهد الغش الجماعى الذى حدث فى الامتحانات، وأنا عاجز عن منع ذلك بأى صورة من الصور، وقد اشترك فى هذه المهزلة إدارة المعهد، والمراقبون والأهالى والجميع!!
تذكرت وأنا أشاهد درجاتى فى الإعدادية، وبكائى للدرجات اللا معقولة التى حصلت عليها، والتى أكدت لى أن التصحيح فى الأزهر يكون بـ "الشبر" كما يقولون.. تذكرت درجتى فى موضوع التعبير وكان عما يسمى وقتها بمجلس التعاون العربى، وقد أطنبت فى الحديث عن دوله الأربع، وعن فوائده الاقتصادية، والسياسية بما لا يناظر سنى.. تذكرت وقد أعطانى المصحح 24 درجة من 40، وأنا متأكد أنه لم يقرأ حرفاً واحداً مما كتبت!!
تذكرت كل ذلك، ولم ألتفت حتى وراء ظهرى لأسترجع الذكريات، أو حتى لأشعر بالحنين، وحينما التفت وجدت الكآبة على جدران المعهد، ووجدت زجاجه المكسر، فأشفقت على طلابه من البرد فى فصل الشتاء..
شاهدت كل ذلك، وقد شاءت الأقدار ليلتها أن أرى الحلقة الأولى من برنامج الجزيرة "وراء الشمس" على أسطوانة كمبيوتر، بعد أن فاتتنى حين عرضت فى التليفزيون..
رأيت فيه مواطنين انتهكت حرماتهم، وكرامتهم فى وطنهم الذى نشأوا فيه، وترعرعوا بين جنباته، دون أن يحميهم أحد، أو يمنع من تجرؤوا عليهم من أذيتهم، أو حتى أن يأخذ حقهم الذى ضاع هدراً..
تذكرت أيضاً الشعار الساذج "الشرطة والشعب فى خدمة الوطن".. شعار البلاهة الذى يجعل الشعب والوطن كيانين منفصلين، شعار التخلف الذى يجعل الشرطة والشعب كيانين متوازيين يخدمان كائناً هلامياً اسمه الوطن.. الوطن الذى لم يشرح واضعوا الشعار ماذا يعنى؟!! هل يعنى الأرض الجامدة؟!! أم يعنى الأنظمة الفاسدة؟!!
تذكرت موقفى من الانتماء لمعهدى، وموقف هؤلاء الذين استبيحت حريتهم من الانتماء لوطنهم، وشعار الشرطة وتساءلت:
هل من الممكن أن أنتمى لمكان وقد أساء لى، وقد انتهك كرامتى، وقد حرمنى حقى فى الحياة الطبيعية السليمة دون اعتداء أو إيذاء؟!!
صراحة تاهت الإجابة بين فلسفة تقول: "بلادى وإن جارت على عزيزة"، وبين طبيعة بشرية تحب أن تـُكْرم، ولا تهان.. تـُحب أن تـُحِب وتـُحَب.. تحب من أكرم، وتكره من أساء.
إخوانى.. اخواتى
ترى لو لم يحضنا ديننا على حب أوطاننا، والسعى لإصلاحها، هل كنا لنحبها؟ أو أن نشقى لأجلها؟ أو أن نتحمل ما نتحمل؟!!

الجمعة، ٢٠ أبريل ٢٠٠٧

الفلوس، والدعاة

حوار د. السيد عبد الستار المليجى فى برنامج العاشرة مساء عن رسالته إلى المرشد العام للإخوان المسلمين والتى نشرت فى جريدة الكرامة بعد تحريفها الذى تم فى جريدة الأهرام.. كان مثار نقاش وجدل بينى وبين زوجتى حول الفلوس، والدعاة..
فزوجتى ممن يخافون أن يفسد المال علينا دنيانا؛ فننشغل بها عن ديننا، وعن أحبابنا، وأهلينا.. وأنا أرى أن المال وسيلة من وسائل زيادة الحسنات لمن قلت حسناتهم من أمثالنا، ووسيلة لإسعاد من نحبهم بهدية أو مساعدة، كما أنه وسيلة من وسائل الاستقرار الأسرى، والنفسى، والحياتى.
أيضاً ترى زوجتى الدعاة دائماً فى صورة الزهاد الذين تأتيهم الدنيا مقبلة فيحجمون عنها.. تراهم فى صورة أبى بكر الصديق الذى تصدق بكل ماله، وفى صورة أبى الدرادء، وأبى هريرة (وقد كان من أهل الصُفة)..
وأراهم أنا جزءً من المجتمع.. فيهم الغنى، والفقير، كما فيهم القوى والضعيف.. أراهم وفيهم عبد الرحمن بن عوف كما فيهم أبو هريرة.. أراهم وفيهم عثمان بن عوف كما فيهم أبو الدرداء..
صحيح أننا من المستورين - والحمد لله، وصحيح أن هذا النقاش هو من سبيل الترف الفكرى؛ فأقصى طموحنا فى الفترة الحالية أن نشترى سيارة مستعملة نستطيع أن نصون بها كرامتنا بديلاً عن المواصلات التى تشعرنا بالمهانة التى يتعرض لها المصريون حين يركبون المواصلات العامة.
وصحيح أن الدنيا لم تقبل علينا بعد حتى نخشاها..
ولكن هذا الحوار جعلنى متفهما لما قاله د. السيد عبد الستار (مع بعض الاختلافات البسيطة)، كما جعل زوجتى متفهمة وجود أغنياء بين الدعاة يرفلون فى نعيم العيش ما داموا يؤدون حق الله، وحق دعوتهم، وحق الفقراء من حولهم..
أشفقت على د. السيد عبد الستار حين وُضع فى هذا الموقف الذى لم يرغب أن يُوضع فيه؛ فقد رأيت فى وجهه فطرة بسيطة، ورؤى تقترب من آراء الصحابى الجليل أبى ذر الغفارى..
وتفهمت موقفه لما رأيته فى بعض الأحيان من بذخ فى تصرفات البعض..
فمن المواقف التى كنت متعجباً لها حين جئت إلى القاهرة، وتعرفت على الدعاة فى أحد أحيائها الراقية، أن أول ليلة إيمانية تجمعنى بهم قد اشتمل إفطارها على بذخ شديد فى الطعام (أرز متعدد الألوان، وأنواع مختلفة من اللحوم، والمشهيات، وغيرها)..
كان ذلك دليلاً على كرم الداعى، وحبه لإخوانه؛ ولكنه كان دليلاً على الخلل الذى ضيع معنى هذه الليلة الإيمانية التى من المفترض أن يبتعد حاضرها قدر المستطاع عن الدنيا، وأن يقترب أكثر من حياة الزاهدين، والمجاهدين فى الطعام، والمعيشة، والنوم..
ظل الأمر كذلك كل شهر حتى نبهت أنا وبعض أحبابى لهذا الخلل حتى عاد الطعام مرة أخرى إلى الخبز القليل والمدعوم ببعض اللبن، أو الزبادى، أو الفول أو غيرها من المأكولات البسيطة والخفيفة.
وأيضاً مما يثير الغصة فى النفس أن تتعامل شركات بعض هؤلاء الدعاة الأغنياء مع موظفيها بنفس تعامل شركات بعض رجال الأعمال غير الأمناء؛ وذلك من قبيل عدم التأمين الاجتماعى على الموظفين، وعمل الموظفين بعد أوقات العمل الرسمية دون صرف إضافى (over time) مقابل الساعات الزيادة، ومن قبيل عدم صرف أرباح للعمال عند ميزانية نهاية العام؛ رغم ما فيها من خير وفير..
ورغم قلة هذا الأمر، ورغم عدم توفر سوء النية لأن معظم السوق المصرى كذلك؛ إلا أن الدعاة لا بد أن يختلفوا عن غيرهم؛ فمقاييسهم مختلفة، وأهدافهم أرقى، وإحساسهم بالناس أعلى.
وزاد ذلك من قناعتى أن المشكلة ليست فى المال، بقدر ما هى فى تأثير هذا المال على أصحابه..
المشكلة حينئذ هى ما فى القلب لا ما فى اليد.. فى الجوهر، لا فى المظهر..
فأنا أعرف تماماً أن هؤلاء الدعاة الأغنياء متصدقون، ومنفقون، وباذلون بإذن الله؛ ولكن لا بد أن يراجعوا أفعالهم..
لا بد أن يسألوا أنفسهم، وأن يُوجههم من يحبهم:
هل ما زالوا يشعرون بالفقراء من حولهم؟
هل يتقون الله فى حقوق موظفيهم عندهم؟
هل تطيب نفوسهم بمساعدة شاب يريد أن يبدأ حياته ليقوى على مصاعب الحياة التى نعيشها؟
هل يسارعون بتزويج شابين تأخر زواجهما للعوز، والحاجة؟
بل هل يقبلون أن يزوجوا بناتهم لشباب نابهٍ ورع تقى؛ لكنه لا يستطيع أن يوفر شقة واسعة، أو أن أن يدفع اشتراك نادٍ مشهور؟؟
هل يمنعون عن أبنائهم مصادر المال التى تؤدى إلى البذخ، والترف المنهى عنه شرعاً..
هذا النقاش هو ما يجب أن أن نشغل به أنفسنا؛ فليس المال أبداً - ولن يكون - نقمة، بل هو نعمة إن استغلها صاحبها فى زيادة قربه من ربه، وإحساسه بمجتمعه، والنهوض به.
إخوانى.. أخواتى
نحن نريد أن يظل الثوب ناصعاً لا تشوبه شائبة، ولا أن يحيط به غبار هذه الدنيا أبداً..

الثلاثاء، ١٧ أبريل ٢٠٠٧

عبد المنعم الذى لم أعرف


لم أشرف بمعرفة عبد المنعم محمود معرفة شخصية كى أتحدث عنه من منظور إنسانى؛ ولكنى رغم ذلك أحببته..

أحببته حين رأيته بين أولاد الإخوان (المحالين للمحاكمة العسكرية) على قناة الجزيرة الدولية يتنقل بينهم وهو يعرفهم طريق المدونات الذى بدأه هو من قبل..

وأحببته عندما قرأت شهادته على فترة تعذيبه فى مقر أمن الدولة الجديد (أبو غريب مصر)..

وأحببته حينما تحدث عن محمد السقا (شهيد جامعة الإسكندرية) ، وعن عدم نسيانه لذلك اليوم، وعن عتابه لطلاب الإسكندرية لنسيانهم ذلك اليوم، وذلك الشاب الشهيد بإذن الله..

وأحببته حين رأيته ينقل أخبار معتقلى الإخوان المحالين للمحاكمات العسكرية دون كلل ولا ملل..

وأحببته لِما قرأته عن اجتماعه مع مندوبى منظمة العفو الدولية ( فى تعليق من الكواكبى فى مدونة يللا مش مهم)، وحديثه الإنسانى معهم عن معتقلى الإخوان..

وأحببته حينما ذهب مدعواً لمنتدى الجزيرة الثالث بين مشاهير الصحافة العالمية..

وأحببته عندما علمت أنه قد أصبح مراسلاً لقناة الحوار فى القاهرة..

وازداد حبى حين ضحى بكل ذلك فى سبيل فكرته التى عاش بها، ولها..


وازداد الحب حين قرأت كلام المدونين ، والصحفيين غير الإخوان وهم يدافعون عنه، ويذكرونه بما هو له أهل ( نجلاء بدير – الدستور، ونوارة نجم، ومنال وعلاء، وغيرهم) رغم اختلاف الفكرة، واختلاف الاتجاه..

وازداد الحب أكثر حين قرأت تقارير منظمات حقوق الإنسان عن إدانة اعتقاله (مركز النديم، والشبكة العربية لحقوق الإنسان)..


فأنا أرى أن عبد المنعم محمود هو أحد مكونات ما يسمى بالجيل الثالث لدى جماعة الإخوان المسلمين.. الجيل الأكثر انفتاحاً، وجيل الإعلام، والجيل الأكثر تواصلاً مع التيارات الأخرى.

فعبد المنعم كان له السبق بإعلانه الصريح دون مواربة على فضاء الإنترنت أنه إخوان..

كان ذلك سبقاً تعلم منه شباب الإخوان هذه الجرأة، وهذا الوضوح؛ فتوالت بعد ذلك مدونات هؤلاء الشباب الذين ظلمهم الإعلام بالإساءة إليهم تارة، وبتجاهلهم تارة أخرى؛ فظلوا حبيسين رد الفعل الذى حبس طاقاتهم، ومشاعرهم بين جدران أربع اسمها جدران الجماعة..

كان لعبد المنعم هذا الفضل فى أن يتعرف الناس على مشاعر وحياة هؤلاء الشباب والشابات دون خجل، ودون مواربة، فكانت "يلا مش مهم"، و"دقات"، و"ابن أخ"، و"غريب"، و"يالالالى"، و"شباب الإخوان"، وكانت "الفجرية"، و"بحب النور"، و"هاعيش وأتحدى أحزانى"، و"همسة قلم"، وغيرها وغيرها..
وسيكون ذلك بإذن الله فى ميزان حسنات هذا الشاب الذى فوجئت أنه فى سن السابعة والعشرين.. كان ذلك بفضل الله أولاً ثم بفضل جرأته، وشجاعته..

كان عبد المنعم قادراً على أن يوارى فكره، وخاصة أنه قد صار مراسلاً لإحدى القنوات الفضائية، ولم يكن ليُلام على ذلك..

كان بإمكانه أن يذهب إلى الدوحة وألا يعود، ولم يكن ليزايد عليه أحد فى ذلك..

ولكنه آثر أن يكون هنا بين ناسه الذين يضحى من أجلهم، وفى بلده التى أحبها، وعلى دعوته التى ملكت عليه حياته..

هكذا كان عبد المنعم الذى لم أعرفه يوماً على المستوى الشخصى.. عبد المنعم الذى أراه صاحب فضل علينا جميعاً..

فك الله أسره، وشفى والده، وكان عوناً لأهله، وانتقم من ظالميه..

اللهم آمين..

الجمعة، ١٣ أبريل ٢٠٠٧

اللهم عليك بالقاعدة



الجهل + الحماقة + القسوة = القاعدة
هذه المعادلة تختصر فعلاً هذا التنظيم الوهمى.. تنظيم الأفكار اللا معقولة.. تنظيم القتل، وسفك دماء الأبرياء..
هؤلاء الأفراد القساة غلاظ القلوب لا ينتمون إلى تنظيم بالمعنى الدقيق للكلمة (أى قيادة، وفكر، وشورى، وتربية، و...).
الأمر كل الأمر أن شخصاً أخرق بلغ به الحنق مداه من قسوة أنظمة حكمه القاتلة، والسارقة، ومن انتهاك أرضه، ودينه من محتلين غاصبين..
وقد أعجب هذا الشخص بشخصين أحمقين (ابن لادن، والظواهرى) يعيشان فى كهوف باكستان أو أفغانستان بعيداً عن الواقع وتعقيداته..
وقد سدت فى وجهه كل سبل الحياة الكريمة من وظيفة، وعائلة، واستقرار..
هذا الأخرق رأى الدنيا قد سدت فى وجهه فأراد أن يغلقها فى وجه الآخرين، وليلبس ذلك ثوب الدين، وليحلم بجنة عرضها السماوات والأرض (لم تـُعَد للقتلة سفاكى دماء الأبرياء)..
فصار حينها مؤمناً بأيمن الظواهرى، ورفيقه ابن لادن..
صار حينها منتحراً وقاتلاً لمرتادى مقاهى الانترنت فى المغرب (شباباً كانوا أم فتيات.. مسلمين كانوا أم غيرهم.. رجالاً كانوا أم عجائز.. طائعين كانوا أم عصاة)..
صار حينها قاتلاً للموظفين الساعين للقمة عيشهم لمجرد مرورهم أو حتى توظفهم فى مقر الحكومة الجزائرية..
صار حينها "بلطجياً" يفرض الإتاوة على أهل العراق الذين احتـُلـَّت أرضهم - كما أخبر بذلك الجيش الإسلامى فى العراق - مدعياً أنه الحاكم الشرعى لهذه البلاد؛ فيستبيح دماء المجاهدين (لأنهم لم ينضموا إليه) كما استباحوا من قبل دماء السنة المخالفين لهم فى الرأى، والشيعة المخالفين لهم فى المذهب..
إلى أى مدرسة فقهية تخرج هؤلاء الجهال..
وبأى الأوهام حلم هؤلاء المغيَّبون..
إنى أزعم أن هؤلاء قدموا لأنظمة الحكم الفاسدة، وللمحتلين والطغاة فرصة لم تتح لهم منذ قرون..
فرصة إبعاد هذا الدين لأنه صار بحمقهم كأنه دين عنف يسفك الدم لأهون الأسباب..
صار هذا الدين - الذى قاد البشرية قروناً - فى أعين غير أبنائه دين جهل وتخلف..
صرنا مدافعين عن سماحة ديننا - ونحن الذين احتلت ديارنا، ونهبت ثرواتنا..
إخوانى.. أخواتى
فلنـُعلِ صوتنا أمام جهل، وحماقة هؤلاء، ولنقل لهم: لا.
بل ندعوا الله أن يخلصنا منهم، ومن شرورهم، وجهلهم..
اللهم آمين..

الجمعة، ٦ أبريل ٢٠٠٧

الغائبون، والمُغيـَّبون، والمُغيـِّبون

بعد التعديلات الدستورية الكارثية التى ألمت بوطننا الحبيب.. ألمت به ككيان يعيش فينا قبل أن نعيش فيه.. سلمته رخيصاً بلا ثمن لحفنة من أصحاب المصالح الشخصية من رجال السياسة، والأعمال، والأكاديميين، والفنانين، وكل من يتعيشون على مص دم هذا الشعب المسكين..
بعد هذه التعديلات كنت أسأل نفسى:
أين الناس؟!
ولمَ هذا الصمت؟
وقد وجدت هؤلاء الصامتين واحداً من ثلاثة.. إما غائب، وإما مُغيَّب (بفتح الياء)، وإما مُغيِّب (بكسر الياء).
فالغائب (برضاه) هو من تشغله حياته، وطموحاته، ونفسه عن كل ما يحيط به..
لا تشغله سوى نفسه.. أين هى؟ وأين ستكون؟
فهو إما راضٍ بقسمة الفـُتات (موظف مرتشٍ، أو ضابط منتشٍ، أو فنان مدعٍ)، وإما أنانى يعيش لنفسه وفقط لا تشغله هموم أمة، ولا هموم وطن، وإما جبان يتحسس مواطن القلق فيرفع يده عنها، ومواطن الإباء فيفتديها..
هذا هو أول الأصناف..
وأما الثانى فهو: المُغيَّب (بفعل غيره).
المفعول به دائماً.. المخدوع أبداً..
فهو ساعٍ على لقمة عيشه، يبحث عنها فلا يجد وقتاً لتأمل، ولا برهة لتفكر..
الفكر بالنسبة له رفاهية تحتاج بالاً صافياً، وجيباً عامراً، واستقراراً غائباً..
يصحو من نومه.. منشغلاً براتبه الذى سينتهى، وبعمله الذى سيختفى..
ينشغل بزوجه وعياله، وكسوتهم، ورعايتهم..
فكيف لمثل هذا أن يسأل عن حقوق غيره.. وطناً كانت أم مواطنين.. لقد نسى أصلاً أنه مواطن، وعاش على أنه ضيف على هذه الأرض التى يسمونها وطناً.. ولم يعلم عن هذا الوطن إلا أنه سبب شقائه وبؤسه الذى يراه ملازماً له شاء أم أبى..
وأما الثالث فهو المُغيِّب الذى يُخدر الناس بكافة أصناف المُخدِّرات.. دينية كانت أو دنيوية..
دينية.. نعم دينية..
يصرفهم عن المُشاهَدَات؛ ليكلمهم عن السمعيات..
يصرفهم عن الواقع؛ ليذهب بهم إلى الماضى المجرد من العبرة والموعظة..
يوبخهم على حالهم؛ ليصرفهم عمَّن سبب لهم هذا الحال..
يزجرهم لمعصيتهم، ولا يحدثهم عمنً مهَّد لهم سبل هذه المعاصى..
ينهاهم عن السرقة، وأموالهم يسرقها من يسمونهم بأولى الأمر..
يأمرهم بطاعة السادة والكبراء وإن سرقوهم، وسحلوهم، وغصبوهم..
يكلمهم عن الآخرة ونعيمها؛ لينسيهم الدنيا وكـَبَدها..
أما مغيِّبى الدنيا.. فهم أهل العبث، واللهو، والمجون..
أهل المخدِّرات العقلية، والحسية..
أهل البانجو، وأهل الرقص..
أهل الهيرويين.. وأهل السينما الماجنة..
أهل التبغ.. وأهل الفيديو كليب..
إخوانى.. أخواتى
مساكين أهل هذا الوطن الغائبون، والمغيَّبون..
وكم ظالمون هم أهله المُغيِّبون..
وكم هى مهمة ثقيلة على من يريد انتشال هؤلاء، وأولئك..
ولكن "النصر مع الصبر".

الجمعة، ٣٠ مارس ٢٠٠٧

حكايات من فسادستان - الأولى

بما أنى أحد مواطنى دولة "فسادستان"، وبما أنى قد مللت الكلام فقط مع من يقرؤون، وبما أن شعبنا غارق فى حياته، وغير عابىء لا بدستور غيّروه، ولا ببلدٍ يهدموه، ولا بشعبٍ يسرقوه..
كل ذلك جعلنى أتوقف قليلاً عن التحليل، والتفسير، والتبيين، وأن أنقل ما أسمع من أبناء هذا الشعب المطحون، والغارق حتى إخمص قدميه فى لقمة عيشه التى يتحايل حتى يحصل عليها بالحلال، مع بعض تحابيش من الحرام – إن كان حراماً – بسبب اضطراره للتعامل مع حاكمى دولة فسادستان..
سأجعلها سلسلة غير متصلة – أى حسب الظروف، والشخصيات والأحوال..
سلسلة على لسان هؤلاء المطحونين الضاربين فى الأرض بحثاً عن لقمة العيش..
سلسلة كلامها فى السياسة دون قصد المُـتـَحدَّث عنهم فيها، ودون علمهم؛ لأنهم إذا علموا سيصمتون، وإذا عرفوا سيرتابون..
وأولى حلقات هذه السلسلة على لسان شريف..
شريف سائق البيجو على خط مدينته – القاهرة..
شاب مكافح حاصل على بكالوريوس تربية، لم يبحث عن العمل كمدرس حرصاً على لقمة عيش توارثها عن والده – الذى لا يزال على قيد الحياة..
يعمل شريف غالباً فى الليل وينام النهار..
ولأترك لحكايات شريف الكلام، دون تعقيب أو تعليق؛ ففيها العبرة، وفيها الخلاصة عن فسادستان:
1- عملت فترة فى إحدى مصانع السيراميك الكبرى ذات الاسم الأجنبى. ولعدم وجود رعاية بيئية وصحية، فقد مرضت بمرض شديد أصاب صدرى رغم صغر سنى، وما علمته أن من يعملون فى هذه الشركات ينتهى بهم المطاف إلى تطور فى هذا المرض.. وفضلت حينها أن أترك المصنع رغم الراتب الكبير، ورغم عملى فى مجال ينتمى إلى تخصصى، والراتب الكبير الذى كنت أحصل عليه؛ إلا أنى فضلت احتراف مهنة القيادة حفاظاً على صحتى.
2- زيت السيارت ارتفع ثمنه إلى الضعف على خمس مراحل، وسعر الكارتة (تصريح السفر لسيارات الأجرة) زاد مرة ونصف المرة منذ آخر زيادة فى سعر السولار، ورغم ذلك زادت الأجرة بنسبة 10% فقط.
3- الثمن الرسمى للحصول على تصريح سفر السيارات البيجو الأجرة ذات السبعة ركاب هو 3 جنيهات، و15 قرشاً، والثمن الحقيقى الذى ندفعه علناً هو 7 جنيهات. أما بالنسبة للميكروباص ذو الأربعة عشر راكباً فالثمن الرسمى قيمته سبعة جنيهات، والثمن الحقيقى العلنى ما بين 35 ، و42 جنيها حسب "شطارة" كل سائق.
4- الدخل اليومى الرسمى دون الإضافات لموقف عبود هو نصف مليون جنيه.
5- مخالفة سيارة الأجرة البيجو التى تدخل حيز مدينة القاهرة دون ترخيص هو 500 جنيه، ووقف للسيارة عن العمل 3 أشهر، يدفع السائق للضابط المختص 250 جنيهاً نقداً لإلغاء هذه العقوبة.
6- لتجديد الرخصة هذا العام دفعت 4 جنيهات تبرع إجبارى ليوم المريض.
7- وجدت عندى مخالفة قيمتها 500 جنيه لمجاوزة السرعة فى طريق الوادى الجديد، رغم أنى لا أعرف طريق الوادى الجديد أصلاً.
8- حصلت على مخالفة فى إحدى المرات فاتصلت بأحد الضباط "بلدياتى" الذين أعرفهم، فاتصل بالضابط المسئول فى المرور، وغير رقم (1) الموجود فى رقم سيارتى إلى رقم (2) فى ورق المخالفة لتصبح مثلاً 23456 بدلا من 13456.
9- ركب معى مرة أحد الشباب "اللى واخد باله من نفسه" بجوارى، وكان بجانبه أحد مرضى القلب؛ فطلبت منه إطفاء السيجارة، فرفض، وقال "اللى مش عاجبه ينزل من السيارة"، فخفت منه وحسيت أنه مسنود "يعنى ضابط أو كيل نيابة"، ثم أخرج عنداً علبة السجائر كاملة ووضعها أمامه لتناولها الواحدة تلو الأخرى، ولما فاض بى الكيل وقفت عند أقرب كمين شرطة على الطريق، ونزلت وحكيت للضابط ما حدث، فأرسل إليه أمين الشرطة، فأخبره بأن "الباشا عاوزك"، فرد الشاب: "اللى عاوزنى، يجينى"، فجاء الضابط ونزل فوق الشاب "تلطيشاً" وضرباً، وسباً!!!!، وقال له: "لو كنت ابن وزير الداخلية حتى.. أنا هاربيك"، وأمر أمين شرطة أن يجهز له محضر "بانجو" وأن يحضر له "حتة بانجو" من الداخل!!!!! وبالطبع – وكما هى عادة المصريين – توسط الراكبون عند الضابط لإلغاء المحضر، وبالفعل ألغاه الضابط!!!!!!!.
10- جاء أحد "بلدياتنا" للركوب مع والدى فى إحدى المرات، ولم يبق أماكن إلا فى المقعد الأخير، فقام أحد الجالسين فى المقعد الأوسط ليستطيع "صاحبنا" الرجوع إلى المقعد الخالى، فقام صاحبنا بالجلوس مكان الراكب، قائلاً له "دى عربيتى" وأجلس فى المكان الذى أريده، فذهل الرجل، وطلب منه أن يفسح له المكان حتى يستطيع الرجوع، فرفض وقال له ارجع من الناحية الأخرى، فذهب الرجل إلى الناحية الأخرى، فرفض صاحبها أيضاً خوفاً من أن يحدث له نفس ما حدث!!!! وهنا تدخل السائق – والد شريف – وطرد "بلدياته" من السيارة، وقال له ايحث لك عن سيارة أخرى!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
إخوانى.. أخواتى
هذه الحكايات الأولى من "حكايات من فسادستان" على لسان شريف سائق البيجو..
وأظن أنها معبرة بما يكفى عن حال بلدنا العظيم "فسادستان".
والسلام..