الأحد، 6 يونيو، 2010

الطريق إلى الفوضى (6) – الدعاة الجدد

az3410 ظل الأزهر طوال طوال مئات من السنين المنبع المتفرد، والمسار الوحيد لتلقي علوم الدين في مصر، كما أنه ظل المدرسة الوحيدة التي تخرج العلماء، والدعاة، والوعاظ..

وفي بدايات القرن العشرين، ومع ظهور الحركات الإسلامية، ظهر دعاة غير معمَّمين، حملوا الإسلام إلى الناس خارج المساجد تارة بالممارسة العملية، وداخل المساجد تارة أخرى بالوعظ والإرشاد؛ ولكن بقيت العلوم الإسلامية، وتخصصاتها الفقهية والشرعية محصورة في رجال الأزهر حتى داخل الحركة الإسلامية الحديثة..

واستمرت هذه الثنائية.. الدعوية المفتوحة، والتخصصية المحصورة – إلا فيما ندر – حتى نهايات القرن الماضي؛ فظلت المرجعية الفقهية والشرعية محصورة على رجال الأزهر، يستوي في ذلك الحركيون، وغيرهم..

وعندما انسحب الأزهر تدرجياً من الحياة العامة – بضعف خريجيه وارتباطه المباشر بالسلطة – بدأ نجم ما يسمى بالـ "الدعاة الجدد" في الظهور، والانتشار..

وهؤلاء "الدعاة الجدد" قسمان:

  • قسم يخاطب الشباب بلغة عصرية، وبلهجة عامية تسويقية دون معرفة علمية، أو تخصص دقيق؛ فيخاطب المشاعر والوجدان، لا العقول والألباب، ويسرف في الحديث عن الأخلاق، والقيم، دون تأصيل، أو تمحيص، مخاطباً الفرد، لا الأمة، ومقدماً للدين كحلية تتوسط متع الدنيا دون تعب تخلية، أو تحلية، ودون مشقة زهد، أو ابتلاء مستغلاً في ذلك الوسائل التقنية الحديثة من اهتمام بالصورة، وإبهار في الإخراج، دون تدقيق في المحتوى، أو تقييم للأثر..
  • أما القسم الآخر فعلى النقيض من ذلك؛ فهو متيم بالمعرفة، وحدودها، وشكلها.. مهتم بالحروف والمظهر، لا المعاني والجوهر.. يطلب من الناس الحنق على الدنيا وطيباتها.. يُزّهِّد الناس فيها، وفي خيراتها.. يحصر الخير – كل الخير – في اتباع من سلف دون سواهم، خوفاً من بدعة يضل بها أهل الدين.. ولا يفرق في ذلك بين جديد الدنيا، وبدعة الدين.. يجعل الدين طلاسم تحتاج دائماً لمن يفك شفرتها، ويحل ألغازها.

ورغم التناقض الظاهر بين الفريقين إلا أن نجومهما يشتركون في أمور عدة تتمثل في:

  • غياب الدراسة العلمية المنهجية، والاعتماد على العامة في التقييم، والإنجاز؛ فإن كان الفريق الأول لا يدعي علماً، ولا فقهاً؛ إلا أنه يرى أن لا حاجة ماسة له في التزود بالعلم الشرعي المنهجي الذي يضبط الأداء ويقوم العوج، ما دامت علوم التسويق والإعلام كافية في ازدياد الأتباع، وكثرة المريدين.. بينما يرى الفريق الثاني العلم كتاباً يقرأ، أو حديثاً يحفظ، أو درساً يسمع من شيخ ذائع الصيت، ولا حاجة عندئذ للدراسة المنهجية، ولا للأبحاث المُقيَّمة، ما دام العامة يهتفون بحياتهم، ويشترون خطبهم المسجلة، وما داموا يُنعتون من هؤلاء العامة بأنهم أعلم أهل الأرض دون حاجة لمؤهل عملي، أو رسائل "ماجستير"، أو "دكتوراة"، أو حتى لكتب يقوم على نقدها المتخصصون؛ فالعلم في نظرهم ما هو إلا درس يلقى، وأذن تسمع!
  • الانسحاب من الحياة العامة؛ فقضايا البطالة، وحقوق العمال، والمال العام، والفساد، وتزوير الانتخابات، وغيرها من القضايا العامة هي بالنسبة للفريقين قضايا لا تستحق التعليق، أو النصح لأئمة المسلمين وعامتهم، وهي خارج دوائر الاهتمام؛ لأنها عند فريق عرَض لضياع الأخلاق، وهي عند الفريق الآخر أمور تخص ولي الأمر واجب الطاعة، ونصحه فيها يكون سراً لا علناً!!
  • السطحية الشديدة في الطرح؛ فرغم أن الظاهر يوحي بأن هذه التهمة هي للفريق الأول دون الثاني إلا أن التدقيق في الخطابين يؤكد أنهما يصبان في نفس الاتجاه، ألا وهو البعد عن العمق، والنواحي العملية في حل ما يحيط بالأمة من مشكلات؛ فالقضايا الكبرى للأمة يتجاهلها الأولون تماماً؛ لأنهم مشغولون بالبناء الفردي للشباب، والبنات، حيث لا وجود للضمير الجمعي في خطابهم الدعوي، أما الفريق الآخر فيرى أن العقيدة (النظرية)، والعلم المجرد هما المكونان الأساسيان لعودة الأمة، ولاسترداد أراضيها، ومقدساتها، ولا سبيل غير ذلك، وأذكر شريطاً مسجلاً سمعته لأحد هؤلاء في ذروة اقتحام القوات الأمريكية للأراضي الأفغانية عام 2001م، وهو يتحدث عن أحاديث الفتنة وآخر الزمان، وكيف أن الرسول أخبرنا بهذا، وأشار إلى ذلك، واستمرت الخطبة العصماء هكذا مخدِّرة في النفوس، داعية (ضمناً) إلى الاستسلام للمصير المحتوم؛ وسيأتي النصر لا محالة إذا ذهبنا إلى مساجدنا، واستمعنا لدروس علمائنا، وفهمنا عقيدتنا (النظرية)!!

ومن المؤكد أن هناك تباينات أكثر، واختلافات أشد بين الفريقين من الدعاة غير المتخصصين؛ إلا أنهم يمثلون حالة الرمزية لعموم الناس، الذين يتردون في الأخلاق، والمعاملات، والضعف، والانكسار، والذل والهوان.

وأمام ذلك التردي لا يتوقف كلا الفريقين عن طريقه الذي اختاره؛ فيراجع نفسه، ويراجع حال أمته التي انهالت عليها السهام من كل صوب، بل إنهم راضون فرحون بأدائهم، وأتباعهم..

وصحيح أن المستفتين يتزايدون، وأن مقيمي الشعائر يتكاثرون، والمساجد في ازدياد؛ ولا شك أن لهؤلاء، وأولئك دور كبير في ذلك؛ إلا أن الأمراض الاجتماعية تتغول، والفساد ينهش، والفقراء يزدادون فقراً، والأغنياء يزدادون غنى، وهؤلاء وأولئك غافلون، ويحسبون أن كلماتهم المتناثرة هنا، أو هناك تعفيهم من مسئولية الأمانة التي حمّلوها لأنفسهم..

ففي سنى عمري الأولى لم يكن هناك هذا العدد من الدعاة، ولم تكن هناك كل هذه الوسائل السمعية والبصرية التي تنقل الدروس والخطب؛ وبالتبعية لا أذكر أنه قد كان هناك كل هذا العدد من المعتمرين، والمنتقبات، والملتحين؛ إلا أن الناس كانت وقتها أكثر تراحماً، وأقرب وداً، وأنقى قلباً..

كان وقتها الموظف المرتشي نادرة يتندر بها الناس، وكذلك المدرس البليد، والعامل الكسلان، ورغم أن الفقر كان موجوداً؛ إلا أن الرضا كان مقروناً به يخفف من ألمه، ومن عذاب العيش معه..

ويطرح هنا سؤال نفسه: ألم يكن مشروع هؤلاء صلاح الأخلاق؟ فأين هذه الأخلاق التي تم إصلاحها؟ وألم يكن مشروع أولئك هو تصحيح العقيدة؟ فأين ذلك الإحسان الذي تستوجبه العقيدة، وأين ذلك الرضا وهو من أركان العقيدة؟ وأين تلك الشجاعة في مواجهة الفساد والباطل، وهي من صلب بناء رجال العقيدة؟

إن هؤلاء وأولئك ليجروننا إلى فوضى عظيمة، فوضى تخدير النفوس بكلمات تـُنقل إلى الأسماع، ولا تتحرك بها القلوب، أو تنفعل بها الأبدان.. كلمات جاء بها الدين ليوقظ النُّوَّم، ويستنهض الغافلين، لا ليغيب العقول، ويسترخي الأجساد..

إن ديننا عظيم، ولا يستحق حمل أمانته إلا من وعاه بقلبه قبل عقله، ومن مارسه بنفسه قبل دعوة غيره.. إن ديننا دين نهضة، ودين عزة، لا دين تخلف، وخذلان..

إننا بحاجة لدعاة عمل لا دعاة قول، وبحاجة لعلماء متخصصين منهجيين مجتهدين، ولسنا في حاجة إلى حفظة نقلة مُقلِّدين..

والناظر المتجرد لأمر الدعوة، والعلوم الشرعية، ولحملتها في الفترة الحالية ليدرك تمام الإدراك أنها قد أصبحت جزءً من الفوضى الخلاقة التي تستهدف الأمة وكيانها، فهل نحن منتبهون؟

إخواني.. أخواتي

كما ترفضون أن يداويكم غير الطبيب المتخصص، فلترفضوا أيضاً أن تتلقوا علوم دينكم من غير المتخصص..

وأن تمارسوا الدعوة بأفعالكم؛ وأخلاقكم خير لكم من أن تتلقوها من أهل التسويق والإعلام..

هناك 3 تعليقات:

  1. غير معرف6/6/10 9:38 ص

    جزاك الله خيرًا على هذة الرؤية وهذة المقارنة وإسمح لى تعقيبًا عليها أن أضيف ما يلى:
    - كلا الفريقين تحرك غيرة على دينيه
    - كلاهما أعمل عقله ومهاراته لما رأه اصلح
    - إن اخطاء فله اجر وان اصاب فله اجران
    - يتميز كلا الفريقين بإيجابيية حركية فلا يعاب عليهم الحركة وإنما يعاب من أوتى العلم على كسله وولاءه للسلطة
    - الإعلام بأنواعه يشكل %80 من تكوين العقل العربى لإنحسار دور الأسرة
    - لا زال المنتج الإعلامى السلبى أكثر وأوفر من الإيجابي لذا لا يلام على الفريقين قلة الأثر فما دورهم إلا تقليل حدته و إنقاذ ما يمكن إنقاذه

    ردحذف
  2. خالد صالح6/6/10 2:37 م

    جزاكم الله خيراً على هذا الموضوع الجيد وأود أن أشير إلى أن هذه النماذج التى تحدثت عنها فى الدعوة ما كانت لتنتشر وتذيع إلا فى الفراغ الكبير الذى أحدثه غياب العلماء المتخصصين المستوعبين لقضايا أمتهم الحقيقية
    وهذا ينبهنا إلى أهمية العمل وايجاد البرامج والخطط التى تساهم فى ايجاد مثل هذا النوع من العلماء
    والله المستعان....

    ردحذف
  3. صالح بن البشير15/12/10 11:14 ص

    بسم الله والحمد لله مقالة رائعة ومفيدة شكرا على هذا المجهود المبذول واحب ان اذكر لمن يريد ان يقرأ فى موضوعات مشابهة لهذا الموضوع فليدخل على هذا الموقع الذى سيجد فيه بفضل الله معلومات يستفيد منها ويفيد الاخرين بها http://www.edara.com/WeeklyArticles/Fighting-Corruption-by-Mirrors.aspx

    ردحذف