الأربعاء، 31 مارس 2010

رسائل إلى الدعاة - في الزواج

1_709571_1_34 كانت بيوت الملتزمين (الدعاة) – أكثر البيوت المصرية استقراراً، وترابطاً؛ وذلك أولاً: للمعرفة الصحيحة بمتطلبات وغاية الزواج في الإسلام، وثانياً: لوحدة الهدف (إنشاء البيت المسلم) بين ركني البيت الأساسين (الزوج، والزوجة).

وكان عامة الناس يتعجبون وقتها من بساطة زواج الملتزمين (الدعاة).. بساطة الاختيار، وبساطة الاتفاق، وبساطة الفرح، وبساطة البيت.

وخير معبر عن هذه البساطة الشديدة (الأقرب لروح الإسلام) ما ذكره د. إبراهيم الزعفراني في مذكراته الشخصية (مدونة الزعفراني)، عن كيفية زواجه من أ. جيهان الحلفاوي (جيل السبعينات)، وكيفية تزويجه لبناته (جيل التسعينات)، وكان هذا النموذج مثالاً يتطلع إليه جل – إن لم يكن كل – الملتزمين..

ولكن ما أراه، وما أسمع عنه حالياً في أمر الزواج، يؤكد أن المجتمع هو الذي يجر الملتزمين إليه، بدلاً من أن يرتقي هؤلاء الدعاة بالمجتمع؛ ليقتربوا سوياً من روح، وتعاليم الإسلام في بناء لبنة المجتمع المسلم الأولى (البيت).

والخلل البادي لا يظهر في مرحلة واحدة من مراحل بناء هذا البيت (اللبنة)، بل صار متعدياً إلى كل المراحل.. بداية من الاختيار حتى العشرة، ونهاية حتى بالتسريح (الذي كان بإحسان).

أولا: الاختيار:

Wedding_now صار شباب هذه الأيام (بنين وبنات) عند اختيار زوج المستقبل مصروعاً بأوهام الدنياً، ومتعلقاً بستائرها الواهية، وباحثاً عن سعادتها المفقودة، وسار في هذا الركب شباب الملتزمين، ولكن بمقاييس أكثر تعقيداً..

فالشاب العادي يبحث عن جميلة الجميلات بنت الحسب والنسب؛ أما الشاب الملتزم فيبحث عن فائقة الجمال؛ لأنه يريد العفاف، وعن قوَّامة الليل صوَّامة النهار؛ لأنه يريد ذات الدين، وعن العاطفية (الرومانسية) الرقيقة؛ لأنه يريد السكن والمودة، وعن الخجولة الحيية المطيعة؛ لأنه يريد الرجولة المكتملة بالقوامة، وعن ربة المنزل الماهرة؛ لأنه يبحث عمن تخدمه، وتخدم أهله، وقد يزيد بعضهم فيبحث عن المرأة العاملة؛ لأنه يريد المساعدة..

ويكتمل المشهد قتامة حين يدخل صاحبنا في دائرة البحث عن الإبرة في كومة القش، فلا يجد؛ لأنه لا يعرف أصلاً – بحكم التزامه – شيئاً عن عالم النساء؛ فيظل يبحث عن “صاروخ” جمال لا يعرف أبعاده، ولا سرعة انطلاقه، وعن حياء لا يستطيع أن يفرق بينه وبين الخجل (الكسوف المصطنع)، وعن رقة وعاطفة لا يستطيع أن يميزها عن التلون، وتقعير الكلام..

فأسمع من أستاذ في الجامعة يدخل بحكم سنه ومكانته في مشاريع زواج، عمن يضع مواصفاته في عروس المستقبل أن تكون شبيهة بـ “ليلى علوى”.. إي والله.. “ليلى علوي”!!!

وأسمع عمن يشاهد، أو يدخل 10 أو 20 بيتاً؛ فلا يجد “الموديل” المناسبة التي تحقق أحلام “الفتى الطائر”.

وعلى الجانب الآخر، تبحث الفتاة - وإن كانت هي الطرف الأضعف في هذه المعادلة – عن فارس الأحلام.. الوسيم.. حامل مفاتيح السيارة، والشقة، والشاليه.. الخالي من منغصات الحموات والعمات.. المحب لأكل المطاعم عن طعام البيت.. وكذلك المتدين “المودرن” غير المعقد، والمتفتح؛ فترفض الجاد؛ لأنه متجهم، والبسيط؛ لأنه فلاح، والبار بأمه؛ لأنه “ابن أمه”، وهكذا..

ونتيجة هذه الدائرة الجهنمية تأخر في الزواج، واختلال في الاختيار، وتقويض لأسس بيت يرجى منه نهوض بأمة، وتغيير لمجتمع..

ثانياً: مصاريف الزواج

معظم جيلي تزوج بمجمل تكاليف لا تزيد عن عشرة أو عشرين ألف جنيه، مع دين بسيط مقدور على السداد..

أما الآن؛ فلقد أصبح هذا الرقم مضروباً في عشرة، وقد يزيد.. ما بين شبكة، وأثاث، وهدايا، وأجهزة، وتشطيبات، ومستلزمات، وقاعة، وزينة، و…

فرغم أن نِسب الزواج قد قلت، والظروف الاقتصادية قد ساءت إلا أن حب البذخ والمظهرة، والمبالغة في فرض الشروط، والاتفاقات قد زاد!!

أعرف شاباً لديه شقة (تمليك)، وخصص له والده مبلغاً معقولا من المال للشبكة، والزواج، وقد كان ذلك كافياً جداً لأن يتم زفافه بلا ديون، أو التزامات نحو الغير؛ إلا أن أهل العروس (الملتزمين) أبَوا إلا أن يبدأ صاحبنا حياته مَدِيناً مقتطعاً من راتبه الصغير ما يسد به الدَّين، ويرفع عن كاهله الحرج!!!

وقد صارت قاعات الأفراح والتي تُحجز بآلاف الجنيهات (رغم عدم يسار العريس) بنداً أساسياً من بنود الإرهاق، والعنت، والمشقة؛ لكي يكتمل التفاخر، ويرضى الأهلون.

ويبقى الأصل في هذه الأشياء “لينفق ذو سعة من سعته”؛ أما أن نتداين، ونقترض، ونمد الأيادي، لنبدأ حياة جديدة ملؤها الضغط العصبي، والشعور بهَمِّ الليل، وذُلِّ النهار؛ فهو ما لايرضاه دين، ولا يباركه الخالق..

ثالثاً: الحياة الزوجية

After_Wedding ما كنت أسمع أبداً  في بداية التزامي عن حالة طلاق واحدة في بيت من بيوت الملتزمين، وما كنت بالتالي أسمع عن خلافات، واستدعاء للأهل، ولجان الصلح للإصلاح بين زوجين ملتزمين مختلفين..

ولكن الأيام قد دارت، وصرنا نسمع عن طلاق، وعن بيوت مخلخلة (وإن قلَّت)، وعن خلافات مادية، وعائلية لم يراع فيها لا سكن، ولا مودة، ولم يراع فيها ميثاق غليظ..

أُخبَر عمن طلق زوجته وهو في سن الخمسين، وأسمع عمن يرفض زيارة أهل زوجته، وأسمع عمن يمنع زوجته من زيارة أهلها..

ونعلم عن بيوت غاب فيها الوفاق رغم استمرار الحياة خوفاً فقط على الأولاد؛ فيعيش فيها الزوجان كالأجانب..

ويبقى دائماً كل طرف ناظراً لنفسه وحقوقه يحاسب رفيقه عليها، وينسى دائماً أن يحاسب نفسه على واجباته؛ فتختل المعادلة، ويغيب الميزان، وتتقطع – تدريجياً – أواصر السكن والمودة..

إخواني.. أخواتي

أعلم تماماً أن هذه الأمور ما زالت أقل من نظيراتها عند غير الملتزمين؛ ولكنى أرى بوضوح شديد أنها تزداد يوماً بعد يوم، وما لم نكن نتصوره في الماضي أصبحنا نراه شاخصاً أمام أعيننا في الحاضر..

ولذلك فإن لم نرجع لربنا، ونتقِه، وندرك حكمته في الزواج؛ فإننا ضائعون لا محالة..

والبيت الخرب لا يبنى عليه مجتمع، ولا تنهض به أمة..