الأربعاء، 12 مايو، 2010

الطريق إلى الفوضى (2) – اختيار الأسوأ

fasadسردت كتب الجاسوسية حكاية مشحونة بالدلالة تقول إن المخابرات المركزية الأمريكية جندت مسؤولا كبيرا في الاتحاد السوفيتي المنهار، كانت كل القرارات تنتهي إليه فيمررها أو يوقفها إلي الأبد، ولم تطلب منه أن يمدها بمعلومات أو خطط عسكرية، بل فقط أن يختار الأسوأ من بين كل قائمة تعرض عليه للمرشحين لشغل المناصب والمواقع القيادية والمهمة في البلاد، وبهذا سقطت الإمبراطورية التي كانت تمتد من ألاسكا إلي حدود اليابان، ومن القطب الشمالي حتي عمق القوقاز وآسيا الوسطي.

وقد نفهم فساد المسئولين السياسيين، وقد نستطيع أن نحلل أسباب اختيارهم؛ لأن الولاء المطلق في الأنظمة الشمولية – كما النظام المصري – هو المعيار الوحيد في اختيار المسئولين السياسيين.

وقد يفسد السياسيون، وتبقى الدولة قوية محافظة على هيبتها، ومتقدمة في مجالات عديدة علمية، أو ثقافية، أو رياضية، أو اقتصادية، أو غيرها – كما الحال في البلاد الشيوعية السابقة، وكما هو الحال في الصين حالياً؛ لأن معيار الكفاءة يبقى هو الأصل في عملية الاختيار للمسئوليات غير السياسية في مفاصل الدولة، وحركتها النهضوية (الجامعات، ومنابع الثقافة، والبحث العلمي، والمؤسسات المدنية، والدينية، و…).

أما أن يكون الأسوأ (بأفعل التفضيل) هو الاختيار الأول في كل المجالات والمواقع السياسية، وغير السياسية؛ وأن يستمر ذلك عشرات السنين؛ حتي صار الأسوأ الحالي أسوأ من الأسوأ السابق؛ وهكذا؛ فإن هذا لدلالة خطيرة على قرب وقوع الفوضى التي يخطط لها أعداؤنا منذ زمن بعيد..

لقد كان النظام الملكي في مصر فاسداً؛ بساسته، ومستشاريه، لكن لم يظهر هذا الفساد في الجامعات، أو المراكز البحثية، أو المعاهد العلمية، أو المؤسسات المدنية، والدينية؛ لأن قادتها كانوا الأكفأ؛ مما أثرى الحياة في مصر، وكون لها قاعدة صلبة من القادة، والعلماء، والمفكرين الذين حفظوا لها ريادتها (الناعمة على الأقل) بين الأمم..

ثم جاء النظام الناصري، وبدأت معايير الولاء والثقة تزيد عن معايير الاستقلالية والكفاءة، ثم تدهورت الأمور تدريجياً في العصرين التاليين حتى صار "كمال الشاذلي" رئيساً للمجالس القومية المتخصصة!! وصار رؤساء تحرير الصحف القومية من أمثال صاحب نظرية "طشة الملوخية" في الخدمة القومية، وصاحب الغزل في "لحم البعرور والبقلاوة بعجينة اللوز" أثناء حرب لبنان 2006.

ومسابقة الأسوأ لرؤساء الجامعات المصرية تصب قطعاً في مصلحة رؤساء العقد الأخير، وكذلك الحال في حالة عمداء الكليات، ورؤساء المراكز البحثية، والمناصب القضائية، والمؤسسات المدنية، والدينية، ومديري الإدارات التعليمية، وحتى المجالس المحلية، والعمد والمشايخ، وغيرها.

وحتى على مستوى رؤساء وقادة الأحزاب (المعارضة فرضاً) نجد أنك تنحدر من أمثال فؤاد سراج الدين، وخالد محي الدين، وإبراهيم شكري إلى زعامات جديدة مدجنة تفتقد الروح، والحياة، والشخصية..

وقد أشرت سابقاً إلى حديث د. جلال أمين عن شخصية رفعت المحجوب (رئيس مجلس الشعب السابق)، ورأيه فيه؛ وكيف أنه تولى هذه المنصب؛ لأنه الأسوأ؛ إلا أن مقارنة سريعة بينه وبين خلفه صاحب النظرية الفذة في تقليل سنوات التعليم المصرية؛ وصاحب نظرية إدارة حضانة مجلس الشعب الحصرية، تؤكد لنا أن منحنى سوء الاختيار ينحدر بسرعة أشد مما نتخيل.

إن الأنظمة الفاسدة الضعيفة تحمي نفسها دائماً بإحاطتها، وحماية مصالحها بأدنى الناس منزلة، وأعلاهم تملقاً؛ فهي لا تحتمل رؤية صاحب رأي؛ لأنها أضعف من أن تقنعه؛ وأخوف من أن تطمئن إلى استقلاليته؛ فتبحث عن المسوخ، وأصحاب العقول الفارغة؛ لأنهم يرون السلطة أعلى منهم، ومن قدراتهم؛ فيلتصقون بها، ويغترفون من كنوزها؛ فتصبح المصلحة متبادلة بين ضعيف، وأضعف منه، وفاسد، وأفسد منه، وغبي، وأغبى منه!!!

ولكن هذه الأنظمة لا تدرك أنها بفعل ذلك تجر بلادها إلى طريق الفوضى؛ لكي تسلمها في النهاية طرية لينة ليد أعدائها..

إخواني.. أخواتي..

فليحاول كل منا أن يرفض تولى الأسوأ زمام إدارته المباشرة؛ لأن الأشد سوءاً قادم لا محالة إن استسلمنا لأصحاب السوء أولئك..

هناك 4 تعليقات:

  1. Ahmed Awad13/5/10 9:49 ص

    I would appreciate your new blogs,it refelects a respectful point's of view and good analysis.

    This new article is very important,I would say surprizingly that this patteren is prevalant not only in the governmental sector but also in the private companies.

    No chance for qualified people,there is a great room only for idle "Motamalek" peoples.

    Most of prisdents for companies and even any level of management would like to surround themselves with weak persons,I tried many times in arabic companies to promote the principle of qualification as the base,but unfortunaitly faild.

    This bad theme we talk about is so prevalant than we could expect,it 's not a political matter rather it's a social culture.

    Regards,

    Ahmed Awad

    ردحذف
  2. د. محمود موسى13/5/10 1:05 م

    لقد تذكرت وانا اقرأ الجزء الثاني كتاب المنطلق للاستاذ الراشد في مقالة بعنوان الابرار الهالكون
    ان سيدنا عمر بن الخطاب سأله سائل
    اتخرب القري وهي عامرة قال عمر نعم اذا علي الفجار علي الابرار
    ثم اكمل الاستاذ الراشد بكلام متوافق مع ما تطرحه في هذه النقطة.

    ردحذف
  3. غد أفضل

    معنى ذلك ألا نأمل على الإطلاق بغد أفضل ما دام القادم دائما اسوأ ؟ هل نملك نحن حرية الرفض أو القبول ؟

    ردحذف
  4. صالح بن البشير15/12/10 11:15 ص

    بسم الله والحمد لله مقالة رائعة ومفيدة شكرا على هذا المجهود المبذول واحب ان اذكر لمن يريد ان يقرأ فى موضوعات مشابهة لهذا الموضوع فليدخل على هذا الموقع الذى سيجد فيه بفضل الله معلومات يستفيد منها ويفيد الاخرين بها http://www.edara.com/WeeklyArticles/Fighting-Corruption-by-Mirrors.aspx

    ردحذف