السبت، 8 مايو، 2010

الفوضى الخلاقة

st_iraq_bombing_afp_gi_jpg_-1_-1 لم تكن كلمات "كونداليزا رايس" عن "الفوضى الخلاقة"، وكلمات "روبرت ساتلوف" عن "اللاستقرار البناء" مجرد كلمات عابرة، أو وجهة نظر تخص مطلقيها؛ ولكنها أصبحت منهجاً جديداً تبنته الإدارات الأمريكية، والغربية المتعاقبة في رؤيتها لشكل المنطقة في المرحلة القادمة بما يحافظ على المصالح الخاصة لهذه الدول.

وكما نجحت التجربة في العراق، وانطلقت في السودان، وكرة ثلجها تتحرك في اليمن؛ فإن إرهاصاتها، ومعاولها قد بدأت في مصر (الجائزة الكبرى).

فالناظر إلى حال مصر سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وفكرياً يدرك تمام الإدراك أن أيدٍ تعبث في الخفاء لإيصال هذا البلد العظيم لمرحلة “العرقنة”.

هذه "العرقنة" المصرية ما هي إلا "فوضى خلاقة" جديدة، ولكنها على نار هادئة..

"فوضى خلاقة" ينفخ في رمادها، ولكن لا يسكب عليها "البنزين"؛ فالنار في المرحلة الحالية قد توقظ الغافل، وتلسع الجار "الاستراتيجي".

والخوف من يقظة قاهري التتار، وقاطعي دابر الصليبيين يستدعي التأني الشديد، والحذر الأشد؛ لذا فلتكن "فوضى" مصر ناراً تشتعل داخلياً، وتمور بفعل الأبناء لا الغرباء حتى يحين الموعد؛ فتكون القاصمة التي تنتهي بهأ آخر الحروب الصليبية.

ورغم أني أدرك تماماً أن الاحتلال الأجنبي ما ترك بلادنا بقواته العسكرية؛ إلا وهو مطمئن تماماً أن الحكام "الوطنيين" الجدد سيحققون له مصالحه الاستراتيجية، إما "اتفاقاً" باختيارهم بشكل مباشر، بعد صناعتهم، وتلميعهم، أو "تغاضياً" بتمهيد الطريق أمام الأسوأ، والأجهل، والأظلم؛ فتتحقق المصالح أيضاً، ولكن بشكل غير مباشر..

لذا فقد سمحت هذه السياسة في الخمسين سنة الماضية بانتهاك قوى هذه الشعوب، وامتصاص طاقتها بعد امتصاص ثرواتها.. فقد سمحت بتخلف البلاد والعباد، والانشغال بالسفاسف، والبعد عن الجادة؛ حتى صارت هذه الشعوب بحكامها كالعجينة الطرية في يد المحتلين القدامى؛ فتشكلها كيف تشاء، أو صارت مهلهلة لا تقوى على مقاومة محتل عسكري جديد كما في حالة العراق، أو الصومال، أو صارت تابعة لا تقوى على قول "لا" في وجه أفكار، أو توجهات تستلزمها مرحلة الخضوع الجديدة كما في حالة معظم البلدان الأخرى.

ومصر (قلب المنطقة ورئتها الطبيعية) أصبحت من الفئة الثانية (التابعة)؛ فسار نظامها في الركب طوعاً بطول عمر، وضعف كفاءة، وقلة حيلة..

وصار أهلها باحثين عن لقمة عيش عزيزة أنستهم حرية أعز، وعن شربة ماء نظيفة ألهتهم عن أوساخ فساد قذر، وعن وظيفة تحفظ حياة أغفلتهم عن ذلة تدوس الجبين كما تدوس الأرض..

فمن "إسرائيل" صديقنا "الحميم" الذي يعلن الحرب من قلب قاهرة المعز دون عتاب أو ملام.. إلى "مصر أولا" التي لا ترى في "القدس" عنواناً لمقدس، أو كرامة..

ومن نواب "سميحة" إلى نواب "الكيف" إلى نواب "الهروب من التجنيد" إلى نواب "سب الدين" إلى نواب "الرصاص"..

ومن حكومة رجال الأعمال مهربي المليارات، ومالكي الشواطئ072119 والاستراحات، إلى الشركات المباعة بـ "الملاليم"، إلى حارقي القطارات، وقاتلي ركاب العبارات..

ومن أصحاب الفتاوى الذين لم يتلقوا علماً منهجياً؛ فيفتون، ويلهون، ويخدرون إلى شعب الكنيسة وصاحبها رئيس دولة القبط الجديدة..

ومن تعليم مخرب للعقول، مسبب للتياسة والبلادة، إلى تصدر الجهال، وتقديمهم على أصحاب الكفاءة والمهارة..

ومن ماء ملوث، إلى زرع مسرطن، إلى هواء خانق، وأمراض فتاكة..

ومن … إلى …

يبقى السؤال:

أين المصريون؟

وهل يدركون حقاً ما يحاك بهم؟

وهل يعلمون فعلاً مواطن الخلل، ويسعون لإزالتها؟

أم أننا كالذبيح الذي ينظر إلى السكين المسنونة تقترب من رقبته، وهو تائه.. ساهٍ.. غافل؟

إخواني.. أخواتي

فلنحاول أن نعلم ما يحاك بنا، وأن نبصر من حولنا بالخطر القريب جداَ منا؛ حتى نسعى إلى تغييره، ونحن على بصيرة، ونحن أقوى عزما، وأصلب عوداً؛ فالتاريخ لن يرحم؛ و{اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}.

وهذا ما سأحاول فعله في السلسلة القادمة إن شاء الله.

هناك 5 تعليقات:

  1. خالد صالح9/5/10 1:44 م

    رأييى أن مصر ينبغى أن تحرر فى البداية من داخلها حتى تستطيع أن تتحرر ممن يسوقونها
    ترى هل نستطيع أن نتحرر بأناس لا يستطيعون أن ينتهوا عن شرب البيبسى والكوكاكولا مع معرفتهم بدعمها لأعدائهم
    هل نستطيع أن نتحرر بأناس لا يستطيع الواحد منهم الفكاك من أسر وظيفة تستعبده ليل نهار ولا يملك معها أن يعطى لفكرته إلا النذر اليسير جدا وذلك لخوفه أن يقل دخله بعض الجنيهات!!
    هل نستطيع أن نتحرر بأناس يسيل لعابهم على المسكن الواسع والسيارة و..و..إلخ من متطلبات الحضارة الغربية التى أغرقتنا فى تفاصيلها حتى حسبناه دينا يسيطر على مشاعرنا وأفكارنا ليل نهار(حتى داخل اللقاءات!!)
    هل نستطيع أن نتحرر بأناس يرون الشعرة فى عيون غيرهم ولا يرون الجذع فى أعينهم مهما كثرت النداءات وتوالت التحذيرات
    حقيقة يا باشمهندس إن لم نتحرر من هذه القيود فلا أمل فى أن تقوم لنا قائمة وسنظل ندور حول أنفسنا بلا جدوى سيظل الاستبداد هو الاستبداد ونهب الثروات هو هو لكن بأشكال وأسماء أخرى (وما أكثرها!!) وما تجربة "الحكومات الوطنية" التى ذكرتها منا ببعيد.
    التحرر يبدأ من هنا من القرآن الذى يضع كل شئ فى ميزانه الصحيح فالدنيا بكل بهارجها ومتعها دنيا مهما نفخ فيها النافخون لتمتلئ جيوبهم بالمال الذى يحصلون عليه من جيوب المغفلين الذين يلهثون ورائها.
    والانسان هو الانسان مخلوق ضعيف محتاج لعناية ربه فى كل لحظة حتى يلهمه الصواب مهما بلغ من الفكر ومن المناصب والعلم ..
    وفقك الله وهداك لما فيه الخير

    ردحذف
  2. الكلمات تتراقص أمامي وكلما قرأت من مقالك جملة انتصبت أمام عقلي فكرة ..
    ولكن هل الحل في أن أعلق ...؟؟ ربما !! علي الأقل لإخراج الكبت والإحباط ..؟
    ولكن لا داعي ... عسي أن يأتي الوقت الذي أجد فيه الرغبة ( أو النفس بكسر النون وسكون الفاء ) للكلام أو حتي التعليق

    ماتاخودش في بالك يا هندسة دي هلاوس الوضع الراهن... معلش

    محمود

    ردحذف
  3. أحب كتاباتكلاياهندسة9/5/10 9:46 م

    يااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
    كيف لاتأخذ ببالك
    متى نتحرك
    قل عسى أن يكون قريبا قل عسى أن يكون قريبا قل عسى أن يكون قريبا قل عسى أن يكون قريبا قل عسى أن يكون قريبا قل عسى أن يكون قريبا قل عسى أن يكون قريبا قل عسى أن يكون قريبا
    والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

    ردحذف
  4. أحب كتاباتك ياهندسة9/5/10 9:47 م

    سامحني على الخطأ السابق

    ردحذف
  5. صالح بن البشير15/12/10 11:16 ص

    بسم الله والحمد لله مقالة رائعة ومفيدة شكرا على هذا المجهود المبذول واحب ان اذكر لمن يريد ان يقرأ فى موضوعات مشابهة لهذا الموضوع فليدخل على هذا الموقع الذى سيجد فيه بفضل الله معلومات يستفيد منها ويفيد الاخرين بها http://www.edara.com/WeeklyArticles/Fighting-Corruption-by-Mirrors.aspx

    ردحذف