الخميس، ١٧ أبريل ٢٠٠٨

المحكمة العسكرية

عاجز حتى الآن عن وصف شعورى نحو أحكام المحاكمة الهزلية – والمسماة زوراً بالعسكرية..
فلا أدرى هل أنا فى حاجة لأكون أكثر غضباً؟ أم أكثر هدوءاً؟


هل تغييب رجل بحجم م. خيرت الشاطر – علماً ومكانة - عن الواقع المصرى، وحبسه خلف القضبان كل هذا السنين حدث عابر يتساوى مع كل أحداث الساحة الفوضوية المصرية؟


هل سجن عالم، وعبقرى فذ مثل د. محمد بشر حدث يتساوى مع رؤية رعاع الأمة، وناهبيها فى موقع المسئولية منها؟ وبالتالى فالأمر لا يحتاج إلى مزيد من الغضب.


هل اختفاء عالم كريم حنون، وداعٍ لطيف، وأب رؤوف مثل د. صلاح الدسوقى عن حياتى الشخصية، وعن حياة زوجه، وابنه، وتلامذته ما هو إلا منغص جديد من ضمن منغصات واقعنا المرير؟ فلا جديد إذن يستحق مزيداً من الغضب.


هل دموع زوج أ. حسن مالك أمام المحكمة على زوج مخطوف، ومال منهوب، وعمر مسلوب تستحق مزيداً من الغضب؟


مائة استفهام، واستفهام تدور فى ذهنى، وتلح على خاطرى، وتدعونى إلى حيادٍ عجيب فى المشاعر..
أشعر بهذا الحياد أن عمرى قد ازداد عشرين سنة أو يزيد؛ فأفتقد غضبة الشباب، وأبحث عن حكمة الشيوخ التى صقلتها السنون، والتجارب والخبرات، وتكرار مواقف الظلم.
كثيراً ما كنت أنصح من هم دون العشرين عمراً بألا يفقدوا حماسة الشباب، وفورته؛ فهما عنوان مرحلتهم العمرية، ودليل حيوية جماعتهم الدعوية.
وكنت على الجانب الآخر أطلب منهم تفهم مواقف الشيوخ؛ لأنها طبيعة الشيوخ، ودليل حكمة السنين، والتجارب والخبرات.
وكنت أؤكد لهم على أن تلاقى الحماسة مع الحكمة هو المُحرك الواعى لحركة الجماعة داخل المجتمع؛ فإن انتصرت الحماسة وحدها توقفت المسيرة، وإن انتصرت الحكمة وحدها ماتت الجماعة.
والآن أسأل نفسى: أين أنا من الحماسة، والحكمة؟


وفى نفس يوم الأحكام الجائرة، والحنق يملأ الصدور، وإحساس الظلم يهز الوجدان كنت مدعواً إلى حفل يقيمه طلاب الإخوان المسلمين لزملائهم من الفرقة الرابعة قبل تخرجهم من كليتى التى تخرجت منها منذ عشر سنين، وكان الحفل فى أحد النوادى المهنية على النيل فى قاهرة المعز.
كنت أعلم أن الحفل فرح، وأن الفرح هو واجب الوقت لهؤلاء؛ ولكنى سائلت نفسى قليلاً: هل هذا وقت فرح؟ أأفرح، وألهو، وأضحك وأمهات، وزوجات، وأبناء المظلومين يبكون غياب أحبابهم خلف قضبان الجلادين، والمتجبرين؟
أهذا وقت سرور، واحتفال وعلماء الأمة، وأنقياؤها يسجنون، ويحبسون؟
وكعادتى غلبتنى الحكمة، وقالت لى نفسى: بل هذا هو أبلغ رد على الأحكام؛ فحياتنا تسير، ودعوتنا تسير، ولن يوقفها بطش باطش، أو ظلم متكبر متجبر.
وحضرت الحفل، وتفاعلت معه بالضحك، والسرور، والسعادة لرؤية هؤلاء الشباب الغض النقى وهو يستعد لطرق أبواب الحياة من بابها الرئيس، ويمتلكون فى الوقت ذاته التفاؤل، والحماسة، والإقبال على الحياة.

إخوانى.. أخواتى
هل نحن فى حاجة لمزيد من الغضب؟
أم فى حاجة لمزيد من الحكمة؟

الثلاثاء، ١ أبريل ٢٠٠٨

ماذا علمتنى الحياة؟ مصر ما قبل الثورة

كان جدى – رحمه الله – كثيراً ما يكرر أن مصر قبل الثورة كانت أفضل حالاً من مصر بعد الثورة، وكان دائماً ما يقول أن الناس كانوا أكثر صدقاً رغم فقرهم، وأكثر أمانة رغم عوزهم.

كان هذا هو هو نفس الانطباع الذى خرجت به من سيرة الدكتور / جلال أمين الذاتية "ماذا علمتنى الحياة".
فحين تحدث عن ظروف بيته الذى نشأ فيه فيه قال: "لم ترث أمى قرشاً واحداً من أسرتها ولم يرث أبى شيئاً يذكر، ولكن كان لأبى دائماً دخل معقول من وظيفته، كمدرس أو قاض أو أستاذ فى الجامعة، بالإضافة إلى مكافآت عما ينشره من مقالات وكتب أو يشترك فيه من لجان، سمح له بشراء بيت من دور واحد فى مصر الجديدة، ثم ببناء دور آخر فوقه.
كانت الملامح الأساسية لهذا البيت، الذى عشنا فيه طوال الثلاثينات ومعظم الأربعينات، تتكرر فصولها فى معظم بيوت أقاربى وأصدقائى ومعارفى. حجرات وشرفات واسعة، وأسقف مرتفعة (إذا ما قورنت ببيوت الطبقة الوسطى اليوم) فى منزل يندر أن يزيد ارتفاعه على ثلاثة أدوار. لم يكن هناك إذن ما يحول دون وصول الهواء أو أشعة الشمس، كما كان هناك دائماً متسع للأطفال للعب والجرى، سواء داخل البيت أو فى حديقة صغيرة حول البيت، أو فى الشارع، إذن كان من الممكن أن تمر عليهم الساعات دون ان يعكر صفوهم مرور سيارة واحدة
".

كانت هذه حياة الطبقة المتوسطة كما أشار إليها كاتبنا الكبير متمثلة فى بيته، وبيت أقرانه.
كانت هناك إذن طبقة متوسطة تمثل صمام أمان للمجتمع، كانت هذه الطبقة تمثل معظم الموظفين، والحرفيين، والتجار..
وكان من بين هذه الطبقة مثقفو الأمة، وروادها فى كل الاتجاهات الفكرية، والسياسية، والاجتماعية..
وكانت هذه الطبقة تعيش عيشة كريمة تسمح لها بالإبداع، والنجاح، وحسن الإدارة..
ووجود هذه الطبقة كرمانة ميزان بين الفقراء، والأغنياء يسمح لأى مجتمع بالحياة، والنمو بصورة طبيعية، كما يسمح للمجتمع بأن يقوده فكرياً، واجتماعياً مبدعوه، ومفكروه.
كان ينتقل إلى هذه الطبقة المتوسطة كثير من الفقراء؛ بما أثبتوه من كفاءة، وما تمتعوا به من نبوغ وتفوق.
ترى أين تعيش الآن الطبقة المتوسطة (إن كانت موجودة أصلاً)؟
وترى ما حال النابهين من أمثال أحمد أمين (والد د. جلال أمين) فى زماننا الحالى؟

وفى صورة بديعة أخرى يصورها الكاتب كمقارنة بين رأس البر قبل الثورة، وبعدها يذكر: "لا بد أن كان لرأس البر سحر خاص للأطفال، فالبيوت ليست إلا عششاً مقامة على أرضيات من الخشب، والشوارع رملية غير مرصوفة فلا تسمح بمرور أى نوع من السيارات والدراجات، ومن ثم للأطفال أن يجروا ويلعبوا حول بيوتهم دون أن يخشى عليهم من شىء."
وعندما زار رأس البر مرة أخرى سنة 1957 قال: "كم كانت خيبة أملى. كانت العشش قد حل محل معظمها بيوت قبيحة مبنية بالطوب والحديد والأسمنت، وكان اكتظاظ شاطىء البحر وشاطىء النيل بالناس شديداً لدرجة كان لا بد أن تختفى معها أى مسحة من الجمال."

لم يكن هناك إذن فارق زمنى كبير بين الجمال، والقبح. كان الأمر لا يعدو سنوات تعد على الأصابع بين زيارة الطفل جلال أمين، وزيارته بعد ذلك وهو شاب؛ إلا أنها الفوضى التى بدأت تعم فى أركان هذا البلد بعد الثورة.
صحيح أن كثيراً من الفقراء المحرومين قد كانوا لا يزورون رأس البر فأصبحوا يزورونها؛ وهذا مما يحسب للثورة؛ ولكن هل كان حتماً أن يكون ذلك على حساب جمال المكان، وطبيعته!!
لم تكن مصر قبل الثورة جنة من جنان الأرض؛ بل إنها كانت مرتعاً لفساد علية القوم، وحاشية القصر الملكى؛ ولكن كان بها مقومات مجتمع حىّ.. يرفع من شأن نابهيه، ويعلى من شأن العلم.. مجتمع به حراك فكرى، وسياسى، واقتصادى، واجتماعى..

كانت بمصر وقتها مقومات تجعل منها دولة رائدة فى الشرق لو استغل ثوارها سمات هذا المجتمع الحى بعد قضائهم على بذرته الخبيثة.
ولكن جاءت الثورة، وقتلت هذا المجتمع الحى، وحولته إلى مجتمع عاطل، وجبان، ومتخاذل..
جاءت الثورة لتقضى على طبقة الأثرياء؛ فأنشات طبقة من الأثرياء الجدد.. أثرياء المال العام، و"الفهلوة"، والاستهلاك، وفى طريقها إلى ذلك قضت على الطبقة الوسطى، ونقلت مثقفيها، ومتعلميها إلى طبقة الفقراء..
لم يكن هذا بالطبع – وليد عقد من الزمان – ولكنه كان نتيجة طبيعية لأمراض اجتماعية نشأت فى رحم الثورة حين همشت المثقفين، وعطلت القانون، وأعلت من شأن العسكر..
وأترك للكاتب الكبير وصف بعضاً مما خلقته الثورة فى المجتمع: "كان المرء منا يخاف أن يتكلم فى السياسة فى حضور أى شخص غريب، فى سيارة تاكسى أو أمام زميل جديد فى الجامعة لم يتحقق بعد من ميوله السياسية، أو حتى أمام فراش الكلية الذى يحضر له القهوة والشاى، خشية أن يكون ممن استوظفتهم المخابرات أو المباحث العامة. أما التليفون فكنا واثقين من انه مراقب، ومن ثم كان من دواعى الحيطة عدم التفوه فى التليفون بالتعليق على أية شخصية سياسية مهمة أو إجراء مهم اتخذته الحكومة. وأما الخطابات فكان بعضها يأتى وقد تم فتحه وقراءته وأعيد لصقه بورقة كتب عليها (فتح بمعرفة الرقيب)".

سارت مصر من يومها على هذا الدرب الذى بدأته الثورة.. درب القبح، والفوضى، والعسكرة حتى أصبحت مصر 2008 كما نراها الآن..

الأربعاء، ٢٦ مارس ٢٠٠٨

جلال أمين: ماذا علمتنى الحياة


"منذ سنوات كثيرة، رأيت فيلماً بولندياً صامتاً لا يزيد طوله على عشر دقائق، ظلت قصته تعود إلى ذهنى من وقت لآخر، وعلى الأخص كلما رأيت أحداً من أهلى أو معارفى يصادف فى حياته ما لا قِبَل له برده أو التحكم فيه.
تبدأ القصة البسيطة بمنظر بحر واسع، يخرج منه رجلان يرتديان ملابسهما الكاملة، ويحملان معاً، كل منهما فى طرف، دولاباً عتيقاً ضخماً، يتكون من ثلاث ضلف، وعلى ضلفته الوسطى مرآة كبيرة. يسير الرجلان فى اتجاه الشاطئ وهما يحملان هذا الدولاب بمشقة كبيرة، حتى يصلا إلى البر فى حالة إعياء شديد، ثم يبدآن فى التجول فى أنحاء المدينة وهما لا يزالان يحملان الدولاب. فإذا أرادا ركوب الترام حاولا الصعود بالدولاب وسط زحام الركاب وصيحات الاحتجاج، وإذا أصابهما الجوع وأرادا دخول مطعم، حاولا دخول المطعم بالدولاب فيطردهما صاحب المكان.
لا يحتوى الفيلم إلا على تصوير محاولاتهما المستميتة فى الاستمرار فى الحياة وهما يحملان دولابهما الثقيل، إلى أن ينتهى بهما الأمر بالعودة من حيث أتيا، فيبلغان الشاطئ الذى رأيناه فى أول الفيلم، ثم يغيبان شيئاً فشيئاً فى البحر، حيث تغمرهما المياه وهما لا يزالان يحملان الدولاب.
منذ رأيت الفيلم وأنا أتصور حالى وحال كل من أعرف وكأن كلاً منا يحمل دولابه الثقيل يأتى معه إلى الدنيا ويقضى حياته حاملاً إياه دون أن تكون لديه أية فرصة للتخلص منه، ثم يموت وهو يحمله. على أنه دولاب غير مرئى، وقد نقضى حياتنا متظاهرين بعدم وجوده، أو محاولين إخفاءه، ولكنه قدر كل منا المحتوم الذى يحكم تصرفاتنا ومشاعرنا واختياراتنا أو ما نظن أنها اختياراتنا، فأنا لم أختر أبى وأمى أو نوع العائلة التى نشأت بها، أو عدد إخوتى أو موقعى بينهم، ولم أختر طولى أو قصرى، ولا درجة وسامتى أو دمامتى، أو مواطن القوة والضعف فى جسمى وعقلى. كل هذا على أن أحمله أينما ذهبت، وليس لدىّ أمل فى التخلص منه."


كانت هذه القصة البسيطة الحكيمة البليغة هى نهاية المقدمة التى كتبها الدكتور/ جلال أمين، أستاذ الاقتصاد، وابن الكاتب الكبير أحمد أمين، لمذكراته الشخصية، أو سيرته الذاتية والتى أسماها "ماذا علمتنى الحياة؟".

قرأت الكتاب كاملاً وشدنى كل مقطع فيه، بل وكل كلمة تـَنظـِم سطوره..
رأيت فى الكتاب فرصة للاستفادة من تجارب الآخرين الحياتية، والتى أحسب أننا - نحن الإسلاميين أو معظمنا على الأقل - نفتقدها بشدة..
نفتقدها مرتين.. مرة حين لا نطلع على كتابات الآخرين – أياً كانت أفكارهم أو مواقعهم السياسية والفكرية؛ لأننا منشغلون بأفكارنا نحن، ورؤانا نحن، وبالتالى فلا داعى لأن ننهل من معين نحسب ما به عطناً، أو أصاب ماءه ما لا يصح الوضوء به.
ونفتقدها ثانية حين يقصر الإسلاميون أنفسهم فى كتابة سيرهم الذاتية، ومفكراتهم الشخصية؛ وذلك خوفاً من الرياء، أو حذراً من تصادم قد لا يليق بالداعية أن يقع فيه حين يذكر رأيه فى حدث رآه، أو فى تصرف شخص أساء فيه.
فعلى حد علمى لم يكتب أحد من الإسلاميين – الحركيين أو المفكريين على حد سواء – مذكراته الكاملة سوى الشيخ/ القرضاوى فى "سيرة ومسيرة"، وقبله أ/ محمود عبد الحليم فى "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ"


لذا فقد بهرنى الكتاب، وبهرنى صدق كاتبه، وصراحته الشديدة الناقدة لنفسه، وللمتعاملين معه فى مسيرة حياته، بل وحتى لوالديه – حتى لو اختلفت معه فى الرأى فى أحقيته فى نقد والديه علناً.
فهو يرى – وأتفق معه فى الرأى – صحة ما قاله كاتبه الأثير "جورج أورويل": "إن كتاباً فى السيرة الذاتية لا يمكن أن يصبح محلاً للثقة إلا إذا كشف بعض الأشياء التى تشين صاحبها".
إن هذا الكتاب فتح لى أبواباً واسعة لإدراك كم نحن منغلقون.. لا نرى إلا أنفسنا، ولا نسمع إلا أنفسنا، ولا نخاطب إلا أنفسنا..


علمت منه أننا ممن يتركون الحكمة، رغم أننا أحق الناس بها..
كان الكتاب بالنسبة لى نافذة واسعة اطلعت فيها على مصر التى لم نعرف، ولم نكن لنعرف إلا من خلال أعين من عاشوها، وعايشوا ساستها، وكتابها، ومفكريها، وأدباءها..
تجول الرجل بى فى مصر ما قبل الثورة من خلال زاوية صباه، وأعين والده الكاتب الكبير، والمفكر النابه أحمد أمين..


رأيت بعينيه واقع التعليم فى مصر على مر سبعين عاماً، وكيف كان التعليم، ثم أين ذهب..
ورأيت مدى تغير المصريين، وأخلاقهم على مدار ثلاثة أجيال متعاقبة، اختلفت فيما بينها القيم، والأولويات، بل وأهداف الحياة.


شاهدت بين كلمات سطوره كم الهوة التى تفصل مثقفى مصر عن رافدنا الإسلامى.. فعرفت ما يشكل وجدانهم؟ وما روافدهم التى يتغذون منها؟ وعرفت أننا حين نتحاور معهم فإننا نتحاور حوار الطرشان؛ فهم لا يسمعون إلا أنفسهم، ونحن لا نخاطب إلا أنفسنا؛ لذا فإن الحوار – دائماً – ما يفشل، أو على الأقل – لا يجنى أى ثمار.
فالرجل – وبصراحته المعهودة – لم يذكر مرة أنه قد شاهد والده – والموصوف بالمفكر الإسلامى – وهو يصلى، أو حتى وهو يصوم.
والرجل أيضاً يذكر الكتب التى كان حريصاً على قرائتها، أو النهل منها، أو مراجعه الكبرى التى يحسب أن الخلاص فى قرائتها، ولم يكن بينها كتاباً واحداً ذا صلة بمرجعيتنا الإسلامية.
كانت المعرفة غربية، والحكمة غربية، والثقافة غربية..
وشعرت كم نحن مقصرون حين لم نصل لهؤلاء، ولم نقترب منهم، أو من حكمتهم التى شعرت بها فى كلمات هذا الرجل، وعلمه الغزير.


الكتاب فى مجمله رائع، بل ومدهش.. تنهل الحكمة من دفتيه رقراقة عذبة – حتى ولو اختلفت مع مكونات بعض هذه الحكمة.
وسأحاول أن أعلق على هذا الكتاب فى مجموعة من التدوينات القادمة؛ لكى أنقل لكم بعضاً من الحكمة التى حملتها هذه السيرة لصاحبها الرائع د. جلال أمين، ومعلقاً عليها ببعض التعليقات التى قد تفيدنى، وتفيد غيرى بإذن الله.

الاثنين، ٢٤ مارس ٢٠٠٨

ساويرس الدحلانى

لم أكن من المتحمسين للحملة التى تم الدعوة لها على شبكة المعلومات الدولية "الانترنت" لمقاطعة شركة موبينيل المملوكة للملياردير المصرى "نجيب ساويرس" بسبب هجومه على الحجاب، ووصفه له بأنه زى "وهَّابى"، وأنه لم يكن يوماً زياً من أزياء المصريين.

لم يكن عدم تحمسى وقتها تأييداً لساويرس، أو حتى تعاطفاً معه؛ بل إن تصريحه وقتها قد أصابنى بغضب شديد؛ بل وأشعرنى أن هذا الرجل ذو أجندة خاصة، وأنه يشترك فى هذه الأجندة - إن لم يكن منفذاً لها - مع جهات أخرى قد تكون مجهولة، أو معلومة؛ ولكن لا دليل مادى عليها.
كان عدم تحمسى نابعاً وقتها من خوفى من أن تكون الطائفية هى الأرضية التى تتحرك من خلالها الدعوة؛ فأنا ما زلت أرفض فكرة البيع والشراء على أرضية الطائفية، بل أشعر أن الشراء من التاجر المسيحى كما المسلم يشعره بالأمان وسط المسلمين؛ وبالتالى يزداد ارتباطه بهذا البلد، وأهله؛ وبالتالى ابتعاده عن كره المسلمين كما يريد أعداء مصرنا الحبيبة؛ كما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان حريصاً على ارتباط أهل المدينة من غير المسلمين بالمدينة؛ لذا فإنه لم يستنكف عن رهن درعه عند يهودى قبل موته.

كنت أسمع منذ زمن - ليس بالقريب - عن أسباب للتضخم المفاجئ لشركات عائلة "ساويرس"، وعن احتكارها مجالات بعينها لا يستطيع أحد أن يقترب منها..

كنت أسمع عن ارتباط هذه الشركات ببعض الجهات الأجنبية المانحة، أو الأمنية، أو العسكرية فى مشروعاتها الداخلية فى بلادنا العربية، بل والإسلامية.. وكنت أسمع عن أن هذه الأعمال تسند بالأمر المباشر لشركات "أوراسكوم" للمقاولات، أو للاتصالات، أو للمعلومات..


كانت هذه الثقة من الجهات الأجنبية أمراً يستحق التوقف؛ ولكنه – وللأسف – كان دون دليل مادى واضح!!
وكانت المفاجأة فى الأسبوع الماضى حين غضب الملياردير "نجيب ساويرس" غضباً شديداً من
مقالة نشرت فى جريدة "المصرى اليوم" للكاتب "سيد على" وصف فيها المدعو "محمد دحلان" بأنه على ارتباط بالمخابرات الأمريكية وأجندتها الخاصة فى المنطقة، وداعياً إلى عدم استقباله، وأمثاله فى مصر؛ لأن حذاء أى مسئول مصرى – على حد قول سيد على – أشرف من قامة دحلان، وأمثاله..


انفعل الملياردير "نجيب ساويرس" وبعث
بخطاب شديد اللهجة للجريدة الليبرالية - التى يعد أحد مالكيها - منتقداً فيها وصف صديقه "محمد دحلان" بهذه الأوصاف، واعتبره من المناضلين الذين تتعمد إسرائيل تشويههم، وتشويه صورتهم فى المنطقة؛ وأننا – أى العرب – نسير وراء هذه الادعاءات دون دليل، ودون اعتبار للتضحيات التى قدمها الرجل – على حد وصفه!!!
واعتمد الملياردير "ساويرس" فى التدليل على وطنية "دحلان" بصداقتهما التى بدأت منذ عشر سنوات كاملة؛ خـَبـِر فيها الرجلَ، ووطنيتـَه.
ولم ينس الملياردير "ساويرس" أن يشير إلى أن حماس عميلة لسوريا، وإيران، وأنها جوَّعت شعبها، وأضاعته على عكس المناضل الكبير "محمد دحلان"!!!

إذن لقد انكشف المستور الذى ظل الملياردير "ساويرس" مُخفياً له طوال الفترة الماضية..
لقد كشف الرجل فى لحظة غضب عن صداقته بالمدعو "محمد دحلان" رجل الجهات الأجنبية التى تسند أعمالها بالأمر المباشر إلى شركاته فى المنطقة..
"ساويرس"، و"دحلان" إذن وجهان لعملة واحدة..
الاقتصاد الاستهلاكى المُوجَّه، وضرب المقاومة اجتمعا فى بوتقة واحدة، وتصادقا على أرضية واحدة؛ بل وينفذان أجندة واحدة..
تسرع ساويرس ونزع عن نفسه جزءً من ورقة التوت التى يستتر بها؛ فشاهدناه بصفات "الدحلانيين" الوطنيين!!!


كان ساويرس – ولا يزال – رجلاً غامضاَ بأمواله، وأعماله الموجودة فى مصر، والعراق، ونيجيريا، وبنجلاديش وغيرها..
لم نسمع عنه أبداً فى أعمال خيرية فى مصر – رغم سماعنا عن تبرعاته السرية الضخمة لطائفة بعينها فى مصر.
لم نسمع عنه – رغم ملياراته العديدة – متبرعاً لأهل فلسطين، ولم نسمع عنه متبرعاً لضحايا العبارة، ولا حرقى القطارات..
لم نسمع عنه بانياً أو متبرعاً لبناء مستشفى، أو مدرسة فى مصر..


لقد اعترف دحلان فى لحظة تجلٍ مع الإعلامى "عمرو أديب" بأنه كان يتلقى راتباً شهرياً وهو فى تونس قدره "خمسة آلاف دولار" تقديراً لتضحياته، ووطنيته، وأن هذه الخمسة آلاف دولار الشهرية هى التى كونت ثروته التى لا يعلم أحد قدرها حتى الآن.
ترى هل سيعترف صديقه "ساويرس" يوماً بالكيفية التى بدأ بها أعماله، ومشروعاته..
فلنترك للتاريخ الإجابة لنا عن هذا السؤال؛ لأن "ساويرس" لن يجيب عنه أبداً فى الأمد المنظور..
وحتى ذلك الحين؛ فأنا أرفض أن أساهم فى تضخم ثروة "دحلانى" آخر فى مصر.

الجمعة، ١٤ ديسمبر ٢٠٠٧

طلبة الأزهر، والتاسع من ديسمبر






التاسع من شهر ديسمبر يوم مشهود في تاريخ الحركة الطلابية في جامعة الأزهر..

ففي هذا اليوم من عامي 2006، و2007 للميلاد شهدت جامعة الأزهر حدثين طلابيين شديدى الأهمية:

كان الأول عرضاً رياضياً قام به طلاب الإخوان المسلمين في الجامعة.. ارتدوا فيه أقنعة سوداء على الوجوه، وقدموا فيه عروضاً
للعبة "الكاراتيه" في ساحة الجامعة، وأمام كاميرات وسائل الإعلام ضمن اعتصام بدؤوه في المدينة الجامعية، وتواصل داخل أسوار الحرم الجامعي..

وكان الثاني وقفة صامتة وقف فيها الطلاب مكممي الأفواه بلاصق أبيض، ومكبلي الأيدي بشريط أبيض يربط أيديهم تعبيراً عن حالة التضييق التي يعيشونها داخل الجامعة - منذ أحداث العام الماضي - والتي كان آخرها هذا العام اعتقال 22 طالباً من زملائهم، وتحويل عدد كبير منهم إلى مجالس تأديبية قبل امتحانات الفصل الدراسي الأول.

إذن نحن أمام مشهدين متناقضين.. اختلف فيهما الأسلوب، بل واختلفت فيهما الألوان المستخدمة..

الأول أثار فزعاً – وإن كان مصطنعاً – من بعض المتابعين للشأن المصري، وقلقاً طبيعياً لدى البعض الآخر من النخبة المصرية، وفى وسائل الإعلام المختلفة التي جعلت من هؤلاء الطلاب ميليشيا – مزعومة - تحركها أيدٍ من الخارج، وتتلقى تدريبات عسكرية..

والثاني كان رد فعل حضاري.. جذب وسائل الإعلام، ولكن تم تجاهله من النخبة، والكتاب، والمتابعين للشأن العام.


كان الأول تعبيراً ساذجاً من طلاب تنقصهم الخبرة، وحرَّكهم غضبهم، وخوفهم من ردود أفعال أمنية قريبة الشبه بما حدث في جامعة عين شمس؛ فأرادوا أن يوصلوا رسالة خاطئة لجهات الأمن: بأننا لن نسمح بدخول "بلطجية" إلى جامعة الأزهر؛ فنحن أشد قوة، وأكثر عدداً، وأقوى شكيمة.
كانت الرسالة خاطئة.. وكانت الوسيلة أكثر خطأ..

وكان الترصد بهؤلاء الطلاب جاهزاً، والأقلام مسنونة، وعرائض الاتهام معلقة؛ فانطلقت الأقلام، والفضائيات لتتسابق في ذبح هؤلاء الطلاب دون رحمة، ولا شفقة؛ فانتهكت حرماتهم، وألقوا في غياهب السجن شهوراً عدة دونما اعتبار للظروف التي أقاموا فيها عرضهم، ودونما اعتبار لوقت امتحاناتهم، أو ظروفهم الأسرية شديدة البؤس.

ورغم أن القضاء المصري قد أنصف هؤلاء الطلاب، وأقر ببراءتهم من التهم التي وجهت إليهم أولاً، ومن حرمانهم من دخول امتحانات الفصل الدراسي ثانياً، إلا أن الإعلام الذي سلخهم بألسنة شداد لم يقترب من معاناتهم، ومعاناة أسرهم، ومن الظروف اللا إنسانية التي عاشوا فيها بعد الأحداث..
وجاء التاسع من ديسمبر لعام 2007 ليعبر الطلاب فيه عن اعتراضهم على اعتقال زملاء لهم اقتحمت مساكنهم ليلاً، وتم اعتقالهم دون جريرة..

وكان الاعتراض هذه المرة بالصمت، وبكمامات على الأفواه، وبأكبال في الأيدي..

كان التعبير حضارياً، وكان الطلاب فيه هم الأعلى صوتاً رغم صمتهم، والأكثر قوة رغم ضعفهم..
قابلوا رفض رئيس جامعتهم للحوار معهم بتكميم الأفواه.. وقابلوا اعتقال زملائهم بتكبيل الأيدي..

كانت الوقفة مهيبة، والأسلوب معبراً، واللون الأبيض للأكمة والأكبال رامزاً..
كان الصمت، والأكمة، والأكبال، واللون الأبيض رامزين للبراءة الطلابية العفوية، ورامزين لحال الطلاب، ولحال الجامعة..

لقد أظهرت الوقفة الحضارية من الجاني، ومن المجني عليه..
أظهرت الوقفة الصامتة من هم الميليشيا، ومن هم الطلاب..

ورغم حضور الإعلام، وتصويره لهذه الوقفة؛ إلا أن النخبة المصرية صمتت صمتاً مطبقاً.. لا كصمت الطلاب؛ ولكن كصمت الساكت عن الحق، والمشارك فى الجريمة..

شارك صمت هذه النخبة فى جريمة اغتيال الحياة الطلابية المصرية، وتحويل الجامعة إلى ثكنة عسكرية يوأد فيه شباب الأمة، وعماد نهضتها، وتغتال فيها الأحلام فى مهدها لشباب غض يحاول أن يشكل مستقبله، وتنتظره الأمة لتخرج من كبوتها.

وبدوري أتساءل:
ألم تكن هذه الوقفة فرصة يشير إليها هؤلاء النخبة؛ ليتعلم منها الطلاب – في الأزهر وغير الأزهر – أن رقى الوسيلة هو جزء من الحق المراد إظهاره؟!!

أليست هذه الوقفة فرصة تستحق الاهتبال ممن يحبون هذا الوطن، ويخشون عليه؛ ليرفعوا راية مناصرة القضايا الطلابية، ولتسليط الضوء عليها؟!!

ألا يحتاج الشباب في خضم هذه الحالة التي تعيشها الأمة إلى من يأخذ بأيديهم، ويقول لهم: إن ما فعله زملاؤكم هو الطريق الواجب الإتباع، وأن إيجابيتكم في الدفاع عن قضاياكم ليست بالصوت العالي، ولا بالملابس السوداء، وليست أيضاً بوقف الحركة، والنشاط لاسترداد ما ترونه من حقوق؟!!

ترى: هل سيتعلم من يحبون هذا البلد من طلبة الأزهر؟

وهل سيتعلمون من تاريخ التاسع من ديسمبر؟

السبت، ١٧ نوفمبر ٢٠٠٧

هانى بشر، والموهوبون

وعد بلفور..
ذلك الوعد الذى تعرفنا عليه فى مدارسنا بأنه "إعطاءٌ ممن لا يملك لمن لا يستحق"..
ذلك الوعد الذى قدمت قناة الجزيرة عنه "فيلماً" وثائقياً فى الذكرى التسعين لصدوره.
قرأت الإعلان عن "الفيلم" فى موقع "الجزيرة.نت"، وذُكر فى الإعلان أن المُعد هو "هانى بشر"..
تشككت حينها بأن يكون "هانى بشر" هذا هو ابن الدكتور المهندس/ محمد على بشر عضو مكتب الإرشاد والمحال حالياً للمحاكمة العسكرية.
كنت حريصاً على مشاهدة "الفيلم"؛ إلا أن نصفه قد فاتنى؛ ولكنى تأكدت بعد المشاهدة أن المُعد والمُخرج والمُنتج وأحد المشاركين فى التعليق هو "هانى بشر" ابن الدكتور "محمد على بشر".
كنت سعيداً جداً بذلك لأنى رأيت "هانى بشر" سابقاً فى قناة الحوار بعد تحويل والده للمحاكمة العسكرية، وأعجبت به جداً لثقافته الغزيرة، ولغته السليمة، وثقته بنفسه، وقدرته الإعلامية المبهرة.
رغم سعادتى؛ إلا أن شجوناً قد غمرتنى، وحزنى قد عمنى على المواهب التى تدفن فى مصر دفناً فى أحيان، وتسحق سحقاً فى أحيان أخرى..
وسألت نفسى: ترى كم "هانى بشر" قد تم دفن موهبته فى مصر عموماً، وداخل الإخوان خصوصاً؟!!
ترى كم "هانى بشر" تم شغله بواجبات تنفيذية، وبعمل لا يتناسب مع موهبته؟!!
كم "هانى بشر" وأدنا موهبته فى مهدها، واتهمناه بأنه لا يسمع، ولا يطيع؟!!
كم "هانى بشر" اتهمناه بحب الظهور، وبأنه يحتاج إلى قدر من التربية أولاً حتى يعمل فى المجال الذى يبدع فيه؟!!

وعلى الجانب الآخر:
هل هناك تنمية للموهوبين أصلاً؟
وهل هناك بحث عنهم بداية؟
وهل هناك برامج لإعدادهم، والاستفادة منهم، ووضعهم فى محاضن خاصة ترعاهم، وتوفر لهم المسارات التى تحتويهم، وتدربهم وتنميهم؟
تذكرت ما قاله د/ عبد المنعم أبو الفتوح ذات مرة بأن الإخوان كانوا يبحثون عن تخصص دقيق؛ ولم يأتهم ردٌ بتوفر هذا التخصص داخل الإخوان، وفوجىء بعدها بستة أشهر حين لقائه ببعض الإخوان أن من بينهم من هو باحث فى هذا التخصص الدقيق الذى كانوا يبحثون عنه؛ غير أن أحداً لم يطلب من هذا الباحث شيئاً يخص عمله الذى تخصص فيه.
ما ذكره د/ عبد المنعم هو باختصار: تعبير بسيط عن ضعف الاهتمام الذى يلقاه المتخصصون، والموهوبون داخل المجتمع المصرى عموماً، والإخوان – بطبيعة الحال – جزء من هذا المجتمع.

أعرف أيضاً من يصر على أن يـُشَغـِّل موهوبين فى مجال "الجرافيكس"، و"الميديا" فى مجال الأشبال مثلاً، أو مجال "الطلبة"، أو "البر"، ويرى أن ذلك هو السبيل الوحيد لتربيتهم، ولممارستهم الدعوة.

أنا لا أطرح هذا الأمر للنقد الذاتى، ولا أريد أن أستطرد فى ذكر الأمثلة، والردود عليها؛ لكن ما أريده هو أن نبدأ حواراً بناءً، وإيجابياً حول التعامل مع هذه المواهب، واكتشافها، واستثمارها..
ما أريده هو أن نقدم حلولاً عملية لاستثمار المواهب فى مجتمعنا العام، والخاص.. فى مجتمعنا الكبير، والصغير..
ولنجعل من ذلك فرصة لجعل مدوناتنا أكثر إيجابية، والانتقال من مرحلة "النقد الذاتى" إلى مرحلة "البناء الذاتى".

لا أريد دفاعاً، ولا أريد هجوماً؛ بل أريد نقاشاً يبحث فى:
- تعريف الموهوبين.
- كيفية اكتشافهم.
- المعوقات التى تمنع من استثمار مواهبهم.
- كيفية دعمهم.
- استثمار مواهبهم وتوظيفها التوظيف الصحيح.

كما أريد أن أؤكد أن هذه النقطة قد طرحها شيخنا العلامة القرضاوى قبل ذلك فى مذكراته حين قال: "لقد التقطني الإخوان، فوجهوني في نشر الدعوة هنا وهناك، واعتصروني اعتصاراً، دون أن يكون لهم أدنى اهتمام لتوجيه مثلي إلى ما يجب أن يقرأه وأن يعده للقاءاته ومحاضراته في البلدان المختلفة. فكنت أنا الذي أختار الموضوع، وأحدد عناصره، وأملأ فراغه بما يتراءى لي، وأقرأ له في إطار ما لدي من كتب وهي محدودة جدا في ذلك الوقت.
صحيح أنه كان عندي من الوسائل والإمكانات الشخصية ما يشد الناس إلي، ولكن كان يمكن أن يكون أدائي أفضل، وإنتاجي أغزر، وموضوعاتي أخصب، لو كان معها التوجيه والتنظيم والإعداد العلمي. ثم التقويم والمراجعة للدعاة وأدائهم وأثرهم في كل مدة من الزمن، كل ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو سنة."

كلام شيخنا "القرضاوى" كان عن استثمار موهبته، وعدم تنميتها؛ فما بالنا بإغفال الموهبة من الأساس، بل وعدم الاعتراف بها، وبالتالى استثمارها.
لذا فطرح الأمر ليس جديداً، وليس خاصاً بهذه الفترة الزمنية التى نعيش فيها، وليس شأنا خاصاً يناقش فقط داخل الغرف المغلقة؛ بل هو شأن عام للمجتمع كله.

إخوانى.. أخواتى
أدعوكم للمشاركة فى هذا الحوار على مدونتى، أو على مدوناتكم؛ وليكن الأمل فى المستقبل، والنظرة الإيجابية البناءة هى دافعنا فى النقاش، والتحاور.

الخميس، ١ نوفمبر ٢٠٠٧

شاهد على لقاء د. مرسى مع المدونين

"السلام عليكم و رحمة الله ازيكم يا اخواننا يارب كلكم تكونوا بخير
---------
ان شاء الله فيه بكره السبت معاد مع الدكتور محمد مرسي هو طلب اللقاء بالمدونين و طبعا حضراتكم من أكتر المدونين المؤثرين في وسط مدوني الاخوان
اخواننا او اخواتنا اللي هتوصل لهم الرسالة دي .. فهم مدعوين للقاء الدكتور مرسي"

كان هذا هو نص الدعوة التى تلقيتها على بريدى الشخصى لحضور لقاء د. مرسى مع المدونين..
كنت مشغولاً فى هذا اليوم، وترددت كثيرا فى الحضور، وفكرت فعلاً فى مدى جدوى اللقاء، وهل هناك من حاجة لإجراء مثل هذا الحوار بين أحد قياديى الجماعة، وبين رافد جديد من روافدها – إن صح التعبير – وهم المدونون؟
ترددى لم يكن بسب عدم جدوى اللقاء؛ ولكن بسبب خوفى من ضياع فرصة كهذه فى مهاترات من جهة بعض المدونين، وفى تقليدية ترفض لغة الشباب الجديدة وجرأتها من قبل أحد قيادى الجماعة.
استشرت أحد من أثق بهم فى الأمر؛ وشجعنى على الحضور؛ وأكد على أهمية حضورى.
وعزمت على الذهاب وفى ذهنى أكثر من نية:
أولها: الحوار ذاته حول الجماعة، وأدائها فى الفترة الأخيرة، والذى أراه ضعيفاً على محاور كثيرة – داخلية وخارجية.
ثانيها: معرفة عدد من المدونين الذين التقيت بكتاباتهم، ولم ألتق بهم مباشرة، وهى فرصة قد لا تتكرر.
ثالثها: محاولة أن أكون طرفاً وسطاً فى حوار توقعته مشتعلاً بين جيلين، وفكرين مختلفين.

توكلت على الله، وذهبت رغم ضيقى من قيام أحد شباب الإخوان الصحفيين بالتعامل مع الأمر على أنه سبق صحفى لا بد من اغتنامه؛ فأشار إلى الأمر فى جريدة الدستور، ووضع بعض البهارات حول الخبر؛ وذلك من نوعية "محاولة الاحتواء"، و"التمرد"، و"التيار السلفى الجديد داخل الجماعة"، وهكذا..


وصلت إلى مكان اللقاء فى تمام الساعة الخامسة، وكنت أول الحاضرين، ثم ازداد العدد تدريجياً حتى وصل على ما أظن إلى ما يقرب من 20 – 25 مدوناً ومدونة من مدونى شباب الإخوان.
وصل د. مرسى فى حوالى الساعة الخامسة والنصف، وسلم على الجميع، واصطففنا بعد انتظار قليل خلفه لصلاة المغرب.. بعدها صلى د. مرسى والمغتربون من الحاضرين صلاة العشاء قصراً مع الجمع.


فى خلال هذه الفترة تحدثت مع بعض الشباب الذين أبدوا امتعاضاً شديداً من شيئين:
الأول: الخبر الذى نشر فى "الدستور"، وخصوصاً بهذا الشكل الغريب.
الثانى: عدم حضور من قادوا حملة النقد الذاتى العلنى لتصرفات الجماعة رغم محاولات بعض المدونين التأثير عليهم، وإقناعهم بالحضور.


كان من ملاحظاتى أيضاً أن الحضور جميعاً من الشباب، والشابات لم ينتهوا من دراستهم الجامعية بعد، ما عدا كاتب هذه السطور، وصاحب مدونة "شباب الإخوان"، وهو شىء قد أسعدنى كثيراً، وإن كان قد أذهلنى أكثر.
انتقلنا بعد الصلاة إلى صالة أوسع، وبدأ الدكتور/ محمد فى التعرف علينا فرداً فرداً، ومعرفة أسماء المدونات فى جو بسيط، وغير متكلف، وأبدى تعجبه من أسماء بعض المدونات، وبدا من الأمر أن متابعات الدكتور/ مرسى للمدونات تكاد تكون منعدمة.
بدأ الدكتور/ مرسى حديثه بمقدمة طويلة جداً أصابت معظم الحضور بالقلق من نوعية اللقاء، وهل هى محاضرة؟ أم توجيه؟ أم كما قال صاحبنا "الدستورى" أنها محاولة احتواء؟!!
كانت المقدمة تتحدث عن نقطتين رئيستين:

الأولى: أن المعرفة هى الركن الأساس فى التعامل مع أى قضية سواء كانت مشكلة تحتاج لمن يتصدى لحلها، أو إصلاحها، أو كانت مقترحاً لتطوير، أو تحسين.
الثانية: الواقعية فى الطرح، والاتجاه دائماً نحو الحلول العملية لا النظرية هو أقرب الطرق للإصلاح، وضرب مثلاً على ذلك بمقولة كمال الشاذلى لنواب الإخوان - فى إحدى المرات داخل مجلس الشعب – ما أسهل أن تعارضوا، أو أن تقولوا أن هذا خطأ، أو أن هذا فاسد؛ لكن نحن نريد منكم أن تقدموا حلولاً لا كلاماً؛ ورغم أن هذا الكلام لم يقصد به كمال "بيه" حلولاً، ولا إصلاحاً؛ ولكنها فى النهاية كلمة حق أريد بها باطل – وهذا التعليق من عندى، وليس من عند الدكتور/ محمد.
كانت هاتان النقطتان محور كلام الدكتور/ مرسى، ودندن حولهما بضرب لأمثلة لحال البلد، والفساد الذى يعتريها، وأنها وصلت إلى مرحلة من الفساد غير متخيلة أبداً، وكان من أمثلة ذلك الصرف الصناعى الذى يصرف فى النيل، ويستخدم بالتالى كماء لرى المحاصيل، رغم احتوائه على مواد صلبة مضرة جداً على صحة الإنسان، والتى تؤدى بالتالى إلى أمراض السرطان والكبد وغيرها.

بعد المقدمة الطويلة، والتى اعتذر الدكتور عن طولها.. بدأ حوار مفتوح مع شباب المدونين؛ وكان بالطبع السؤال الأول حول اللقاء، وما الهدف منه؟ وكيف تصنف قيادة الجماعة شباب المدونين؟ وهل تراهم متمردين؟
كانت إجابة د/ مرسى مفاجأة للجميع؛ فقد نفى أنه من دعى للحوار، أو أنه تعمد دعوة المدونين للحوار، بل كل ما فى الأمر أنه قد بلغه أن مجموعة من شباب المدونين يودون لقاء أحد قيادات الجماعة؛ فرحب بذلك وتم ترتيب اللقاء.
أما بالنسبة لموضوع تصنيف هؤلاء الشباب؛ فكانت المفاجأة الأكبر ألا تصنيف لهم، وأن ما يكتبونه هو شىء صحى جداً؛ بل إنه اعترض على من طلب أن يكون التدوين موجهاً لخارج الإخوان، أما الحديث عن الداخل فمكانه الإخوان فقط..
وقال فى ذلك: ما المانع أن يطرح كل منكم رأيه على مدونته فى كل الأمور العامة التى تخص الإخوان، وغير الإخوان، وضرب مثالاً لذلك بالحزب، والنقاش المفتوح حوله، وشجع على نقده علناً على المدونات..
وضح من إجابة الدكتور/ محمد أن موضوع النقد الذاتى، وما طرح فيه علناً لم يكن على علم بتفاصيله؛ ولكنه قال – معنى لا نصاً: إن الإنسان دائماً فى حاجة لأن يتعلم، ويعرف، ويخطأ؛ ولا داعى للقلق من لفظ زائد هنا أو هناك، والشاب بطبيعته مندفع، ومتحمس - وحماسته تلك مطلوبة.. والشيخ بطبيعته حذر وهادئ – وهدوءه كذلك مطلوب..
وكما أن الشباب مطلوب منهم أن يتقبلوا هدوء الشيوخ، فكذلك الشيوخ مطلوب منهم أن يتقبلوا طبيعة الشباب.

وسار الحوار على هذا المنوال؛ فلم يتبرم د. مرسى من نقد، أو اختلاف فى وجهات النظر؛ كما لم يخرج الشباب عن آداب الحوار التى كنت أخشى أن تفقد فى مثل هذا اللقاء.
استأذن البنات فى الانصراف مبكراً حتى لا يتأخرن، وفاتحن الدكتور قبلها فيما يتعلق بالعمل النسائى، وضعفه داخل الجماعة، وعدم الاهتمام الكافى بهن، وكذلك شكون من ضعف تكوين الأخوات من الناحية الثقافية والسياسية، وضربن أمثلة على ذلك فى أعمال الجامعة، وكيف أن الأخوات يهتممن بالحشد، لا بالكيف، وبالعدد لا بالعدة.
ولم ينكر كلامهن الدكتور/ مرسى؛ ولكنه طلب منهن أن يحددن لقاء خاصاً يتحدثن فيه عن هذه الأمور بالتفصيل، ورؤيتهن للحل.

انصرف البنات إذن قبل الحديث بتفصيل جزئى عن الحزب، وعن الاعتراضات القائمة عليه، وعن عدم توزيعه على قواعد الجماعة حتى يستطيع شباب الإخوان أن يتحدثوا مع المجتمع فى تفصيلاته دون حرج عدم المعرفة.
وأجاب الدكتور بأن مكتب الإرشاد ترك للمكاتب الإدارية تحديد مستوى النقاش، والطرح؛ فمنها من وزعه بصورة أوسع على القواعد، ومنها من قصره على أعضاء المكتب فقط، ورغم ذلك تأخر استلام التعليقات على الحزب من المكاتب الإدارية بتأخير وصل إلى ثلاثة أشهر بعد أن كان الاتفاق على أسبوعين فقط.

دار الحوار، واختلفت فيه أنا وبعض الزملاء مع الدكتور فى قضية رئاسة المرأة، وغير المسلم، وقلنا له أن الولاية العامة غير متحققة فى الدساتير حتى على المستوى القطرى؛ لأن الرئيس ما هو إلا فرد تحكمه مؤسسات، وسلطات متعددة؛ وبالتالى فلم تعد له تلك السلطة السابقة التى يمنع فيها غير المسلم من ولايتها.
وكانت المفاجأة بالنسبة لى أن الدكتور/ محمد موافق على هذا الكلام، وأن اجتهاد الدكتور العوا وغيره حول الرئيس القطرى فى الدولة الحديثة صحيح على المستوى النظرى؛ ولكن الخلاف حول أن دستورنا الحالى سلطات الرئيس فيه مطلقة، وهى دون جدال ولاية عامة دون ريب؛ لذا فإن تولى غير المسلم لهذه الولاية العامة مرفوض شرعاً؛ أما إذا تحققت دولة المؤسسات تلك فالأمر حينها يختلف، ويحتاج إلى اجتهاد جديد.
ورغم اختلافى مع هذا الرأى؛ لأن البرنامج فى النهاية يطرح رؤية مستقبلية، وليست آنية؛ إلا أن الرد فاجئنى، وأن النقاش داخل مكتب الإرشاد كان أعمق مما تصورت، وأن الرأى الغالب كان بسبب هذه الرؤية للولاية العامة الحالية.
وعندما أثار البعض أن السكوت عن هاتين النقطتين كان أفضل، أجاب الدكتور بأن هذه النقطة طرحت وتم التصويت عليها وكانت الغالبية مع الوضوح والصراحة فى طرح الرأى الذى تم الاتفاق عليه بأغلبية الأصوات.

اتفقت مع هذا الرأى الأخير رغم اختلافى مع النقاط الشكلية التى طرحها الحزب، وأثارت زوبعة من لا زوبعة فى دولة كانت مسلمة، وستظل مسلمة – شاء من شاء، أو أبى من أبى.

إخوانى.. أخواتى

كانت هذه محاولة من الذاكرة لطرح ما دار فى هذا الحوار الجميل، والراقى بين رجل تعدى الخمسين عاماً، وحاصل على درجة الدكتوراة فى الهندسة من الولايات المتحدة الأمريكية.. رجل ذى عزيمة قوية كما كنت أسمع عنها من بعض زملائى الشرقاويين، وكيف أنه كان محاضراً للطلاب فى كلية الهندسة بجامعة الزقازيق فى صباح اليوم التالى مباشرة لمهزلة تزوير انتخابات دائرة الزقازيق رغم إعلان النتيجة فجراً بعد يوم عصيب..
حوار بين هذا الرجل العظيم، وبين مجموعة من الشباب الصغير الذى يحق لجماعة الإخوان أن تفاخر بهم أمتها، ومنافسيها بأن لديها هذا الشباب الناضج الثائر المتحمس، الذى يريد لأمته أن تنهض دون أن يقيد نفسه فقط فى إطار الجماعة وقيودها الطبيعية، بل خرج إلى أهله، ووطنه الذى هو منهم، وهم منه.

وخرجت أنا من هذا الحوار، وأنا سعيد بهذه الروح الجميلة التى كسرت قيد التنظيم، وضوابطه بدعوة جاءتنى على بريدى الإليكترونى لألتقى فيها بقيادى من قيادات الجماعة.
يتبقى فى النهاية أن تتواصل مثل هذه اللقاءات، وأن تتحسن آلية التواصل بين أفراد الجماعة وقيادتها.

ملحوظة أخيرة: ما ذكر فى جريدة الدستور حول طلب شباب الإخوان من د. مرسى أن يقلدوا الحزب الوطنى فيما يسمى بالانتخابات القاعدية وهم جرى فى خيال كاتـِبَيه، وأكتفى بما ذكره أحمد عبد الفتاح فى مدونته.

والسلام

الجمعة، ٢٤ أغسطس ٢٠٠٧

ناصر وناصر




ناصر عبد الله، وناصر جاد الله..

سباك، ونجار..

مسلم، وقبطى..

شابان مصريان جمعهما الاسم، والعمل اليدوى، وطريقة الموت..

شاء الله لهما أن يجسدا الوحدة الوطنية المصرية الحقيقية بين مسلميها، ومسيحييها، دون شعارات، ولا هتافات من نوعية "تحيا الهلال مع الصليب"، ولا من نوعية قـُبلات "شنودة" و"طنطاوى"..

مَثـَّل هذان الشابان صورة المشاركة الحقيقية التى يلتقى عليها كل أفراد الأمة المصرية المغلوبة على أمرها..

لم يكن مصرعهما فى مظاهرة همجية تستدعى "شارون" لحماية الأقباط، ولا فى تصرفات عبثية تحرق بيوتاً لمنع بناء كنيسة..

قـُتل الشابان على يد الزبانية.. زبانية الدنيا.. الذين يسومون المصريين كافة أنواع العذاب الدنيوى..

اشترك الشابان فى رفضهما إتاوة دَرَك النظام الفاسد، واشتركا فى رفض تهديدات ووعيد المجرمين.. مجرمى الفزع المصرى..

نال أحدهما شرف القتل برميه من شباك شقته المتواضعة فى العمرانية، ونال الثانى هذا الشرف فى أحد سلخانات حبيب العادلى فى المنصورة بعد سحله على أرض قريته تلبانة..

ترى ما هى الوحدة الوطنية إن لم تكن ما مثله ناصر عبد الله، وناصر جاد الله؟!!

أليست وحدة المصير خير مثال للوطنية، وخير معبر عن وحدة الوطن الواحد؟!!

الغريب أنى لم أسمع صوتاً لمطنطنى الوحدة الوطنية، ووحدة "الهلال والصليب"، ووحدة عنصرى الأمة..

اختفوا كما يختفى السراب..

اختفى "مايكل منير"، و"كرم جبر"، كما اختفى "نجيب جبرائيل"، و"عبد الله كمال".

ومن قبل هؤلاء اختفى "شنودة"، و"طنطاوى"..

إخوانى.. أخواتى

فليكن شعار وحدتنا الوطنية "ناصر، وناصر"..
ولنعلم أن مهمتنا الواجبة هى التصدى لهؤلاء القتلة المجرمين..

السبت، ١٨ أغسطس ٢٠٠٧

لكِ الله يا مصر


هذه العصابة التى تحكم مصر لم يكفها بلداً مخرباً، وأرضاً قاحلة، وفوضى عارمة، وشباباً هرِماً، ونفوساً يائسة، و....
لم يكفها مالاً منهوباً، وأراضٍ مغتصبة، و....
لم يكفها حرقى قطارات متهالكة، وغرقى عبارات مخالفة، وقتلى طائرات ساقطة، و....
لم يكفها مياهاً ملوثة، وأطعمة مسرطنة، و....
لم يكفها ملايين الموتى من مرضى السرطان، والتليف الكبدى، والفشل الكلوى، و....
لم يكفها تقزيم مصر أمام رعاة البقر، وقتلة الأنبياء، و....

لم يكفِ هذه العصابة كل ذلك الفساد، والنهب، والقتل، والتدمير..
لم يرضهم كل ذلك، وبقى الأرق يقض مضاجهم، والسهاد يمنع النوم عن أعينهم؛ فقد بقى من يقول لا، وظل من لم يفقد الأمل صامداً شامخاً..

ظل من يرفض الخنوع لبيع مصر، وخراب مصر..

ظل عصام العريان، وخيرت الشاطر وإخوانهما يجابهون - بالفعل لا بالكلام - طغمة فاسدة، ومخططات مدمرة..

ظلوا رافعين للراية.. راية الصمود، والتحدى..
ظلوا رافعين لراية "لن نستسلم، ولن نلين"..

ظلوا - بالفعل لا بالكلام - فى الساحة يُربّون الشباب، ويبثون الأمل فى النفوس، ويتحدون تزوير الانتخابات، ويتحدون دسترة الطوارئ..

ظلوا يبثون الأمل فى نفوس هذا الشعب المسكين، الذى تريد له العصابة الحاكمة أن يستسلم، وأن يرضخ لوهم صنعته هذه العصابة بأنهم أصحاب الأرزاق يهبونها من يشاءون، ويمنعونها عمّن ينبذون!! وأن النفوس بأيدى جلاديهم يبقون منها حياً من يشاءون، ويقتلون منها من يريدون!!

بقيت إذن معركة لم ينتصر فيها هؤلاء الطغاة.. معركة الإرادة التى ما زالت فى صدور الشرفاء الذين ما زالوا يبثون الأمل فى صدور باقى المصريين..

"أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون"
هذا هو الحل، هذا هو الطريق..

فليخرج إذن خيرت الشاطر، وعصام حشيش، وصلاح الدسوقى، وإخوانهم..
وليخرج عصام العريان، ومحيى الزايط، وحمدى إبراهيم، وإخوانهم..

فليخرجوا لأنهم أناس يتطهرون؛ بل ويريدون أن ينقلوا هذه العدوى لعبيدنا الذين نحكمهم، وننهبهم، ونقتلهم..

فليخرجوا إذن؛ لتبق لنا الساحة خالية، ولكى يكتمل مخطط قتل النفوس، وقتل الإرادة..
فليخرجوا إذن؛ ليكتمل بيع مصر لملاكها الجدد منا، ومن أحبابنا من الصهاينة، والأمريكان..
فليخرجوا إذن؛ ليرضى عنا أسيادنا فى البيت الأبيض، ولكى يحفظوا لنا مقاعدنا من ثورة شعب بئيس فقير..

إخوانى.. أخواتى
لن نستسلم..
لن نلين..

ولكِ الله يا مصر..

الثلاثاء، ٣ يوليو ٢٠٠٧

فاصل

كثيراً ما يبحث الإنسان عن فترة راحة يستريح فيها من همومه، وأعبائه..
يبحث فيها عن الهدوء، والمراجعة..
يبحث فيها عن وقفة يقيم فيها نفسه، وحياته..
يقيم فيها مواقفه، وتعاملاته..

وغالباً ما يفتقد الإنسان هذه الفرصة؛ إما بسبب كثرة انشغالاته، ومسئولياته، أو بسبب عجزه عن التفكير وقت التنفيذ، والمسئوليات.

هكذا هى الدنيا.. يدور الإنسان فيها كما يدور الطحين تحت الرحى - إلا من رحم ربك.
ينتقل الإنسان فيها من مرحلة إلى أخرى؛ فتحركه الأحداث، وتمور به الخطوب، وهو لا يستطيع الفكاك، ولا فرصة لديه لالتقاط الأنفاس..

أما أنا فقد جاءتنى هذه الفرصة سانحة.. جاءتنى فرصة السفر خارج مصر فترة وجيزة من الزمن؛ لعمل مؤقت..
وأظن أن هذه فرصة عمرى؛ لألتقط الأنفاس، وأتأمل فى حالى، ومآلى.. وأتدبر ما حولى دون ضغط، ولا عجلة..
قد تكون فرصة أبتعد فيها عن الأحداث؛ حتى أستطيع أن أكون من المؤثرين فيها، لا المؤثرة فيهم.

لذا فأنا أدعو الله عز وجل:

1- أن أعيد النظر فى علاقتى بخالقى - جل فى علاه - الذى يصبر علىّ كثيراً، وأنا ....

* فرصة جاءت إلىّ على طبق من ذهب أتخفف فيها من بعض المسئوليات حتى أتقرب إليه أكثر، وحتى أتذلل إليه أكثر، وحتى أدعوه أكثر وأكثر..

* فرصة أزيد فيها من عباداتى، ونوافلى، وطاعاتى حتى أعود إلى ما يحبه ربى، ويرضاه..

* فرصة كى أرتبط بكتاب الله تلاوة وحفظاً وفهماً وتدبراً بعد فترة من الجفاء منى.

2- وأن أعود للقراءة التى أحبها بعيداً عن قراءة الصحف السيّارة التى تـُضيِّع منى حبى للقراءة العميقة، والمتأنية.

3- وأن أُقيِّم الفترة السابقة من حياتى.. كيف كانت؟ ثم كيف أصبحت؟ وأسأل نفسى عمن أحبهم: هل قصرت فى حقهم؟ أم قصروا فى حقى؟ وأحاسب نفسى عما ارتكبته من أخطاء، وكيف أصلح هذه الأخطاء.

4- وأن أطوِّر نفسى فى مهنتى، وأن أعيش تحدياً مهنياً أثبت فيه ذاتى، وأستعيد فيه ثقتى بنفسى.

5- وأن أعايش أفراداً مختلفين، وأن أرى بيئة مختلفة، فأزداد خبرة، وأزداد معرفة.

6- وأن أعيش فى بيئة مغلقة؛ فأقدر نعمة البيئة التى أعيش فيها، فأشكر الله على نعمائه، وتقل انتقاداتى لواقعى الذى أعيش فيه، وظروفى التى تحيط بى.

7- وأن أفكر فى المستقبل الشخصى، والعام، وكيف أستطيع أن أخطط له، وأن أطوره بعيداً عن واقع العمل الذى يجعلك منقاداً للتنفيذ لا التخطيط.

8- وأن أدعو لأمى التى ستجرى عملية جراحية وأنا بعيد عنها؛ فقد يتقبل الله دعائى وأنا مسافر؛ ولكى أدرك قيمتها التى ما من شىء يظنه الناس فىً حسناً إلا كان منها، ومن تربيتها.

9- وأن أترك قليلاً أولادى، وزوجتى الحبيبة، التى سأفتقد رأيها، وقلقها علىّ؛ كى لا يصبح ما تفعله مألوفاً؛ فأنسى شكر ربى عليه، وأنسى تقديرى لها.

هذا ما آمله، وهذا ما أرغب فيه، فهل سأناله؟ أم أنها الأمانىّ؟

بإذن الله لن تكون أمانى، بل ستكون واقعاً أحاول أن أكوّنه بحول الله وقوته.

إخوانى.. أخواتى
لا تنسونى من دعائكم، وسامحونى على كل ذنب اقترفته فى حق أحد منكم؛ فأنا فى حاجة شديدة لهذا الدعاء.